تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابن بري

واسمه عبد الله بن برّي بن عبد الجبار بن برّي النحوي اللغوي المصري. دخل في خدمة الخلفاء على طريقة ابن بابشاذ، ورفعت به مصر رأسها على بغداذ، وكان من بيت المقدس تربته، ومن الأقصى بها غربته؛ على أن واديه المقدس كان أوطانه إليه وأوطاره. ولو خلع شراك جبينه قبل نعليه. بلغ بعد فراق بيت المقدس غاية في اللسان العربي، ورحل عن الطور فنودي من جانبه الغربي؛ إلاّ أنه ما خلا ممّن تكلّم ورماه بسهامه. وما تألم إلاّ أنه كان منغمسا في غمار الغفلة، وبعد الذهن الذي ما فيه قلّة، وتعوذ بالله من خلل النسا ولعب السفلة بالرؤساء. أرادت تهذيب أخلاقه فغدرته من مخ جحش شويا، كما حفظت قدرة للثرى كذا رفعت قربة للثريا.

ولد بمصر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ على مشايخ زمانه، وانفرد بهذا الشأن.

وقصده الطلبة من الآفاق، وكان عالما بكتاب سيبويه وعلله. قيمّا باللغة وشواهدها، وكان إليه التصفّح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلاّ بعد أن يتصفّحه ويصلح ما فيه من خلل خفيّ. وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ. وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية، وتجلّى عنه حكايات.

وتصدّر غير واحد من أصحابه وبرع، وكان قليل التصنيف. له مقدّمة سمّاها اللباب، وجواب المسائل العشر التي سأل عنها أبو تراب ملك النحاة. وحاشيته على صحاح الجوهري فإنها أفردت فجاءت ستة مجلّدات.

قال ابن خلكان: ورأيت له حواشي على درّة الغوّاص في أوهام الخواص للحريري. وله

جزء لطيف في أغاليط الفقهاء. وله الردّ على ابن الخشاب في الكتاب الذي بيّن فيه غلط الحريري في المقامات، وانتصر للحريري وما أقصر فيما عمله. وتوفي بمصر في شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمئة وكان وسخ الثوب رديء الهيئة واللبسة. يحكي عنه المصريون عجائب منها: أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا، وحمل الجميع في كمّه، وجاء إلى منزله فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدّم إلى كوّة هناك تفضي إلى داره، فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في تكسير البيض، وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به. ومنها أنه اشترى عنبا وجعله في كمّه، وحادث بعض أصحابه وجعل يعبث بالعنب حتى سال على رجليه، فقال لصاحبه: نجي المطر؟ فقلت: لا، فقال: فما هذا الذي سقط على رجلي؟ قال: فأملته، فإذا هو العنب، فاخبرته فخجل واستحيا ومضى.

ويحكون عنه من الحذق وحسن الجواب عمّا يسأل عنه ما يعجب. وله نسختان، الجامع بين الأضداد. ويحكى عنه أنه كان لا يتكلف في كلامه، ولا يتقيد في الإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتّفق، حتى قال يوما لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه: اشتر لي هندباء بعروقو، فقال له التلميذ: بعروقو، فعزّ عليه كلامه، وقال له: لا تأخذه إلاّ بعروقو، وإن لم يكن بعروقو لا تأخذه. وكانت له ألفاظ من هذا الجنس، لا يكترث بما يقوله، ولا يتوقف على إعراب.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.