من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن سنان الخفاجي
الحلبي. إن تكلّم في دقائق الأدب أتقنها، أو في لغة العرب قال متقنها بنظم أقوى من تركيب الأنابيب، وأحوى من الليل لشمل كل غريب. تنوّع في فنونه، وتسرّع إلى أخذ القلوب بفتونه. وترفّع في طبقاته فرأى الدراري من دونه. لمع بالتوشية برديه ووارى في التسوية النهار في وضوح ضحاه، وطيب أبرديه. وجارى البحر كلامه، فكأنه قذف من الدّر مالديه، وولّد فيه من التشبيه كلّ عقيم، ومن اللطائف ما يحسن على خدود الطروس عذاره الرقيم، ومن المعاني الواضحة الخفيّة ما يحاكي الظرف الصحيح السقيم. وله مع أبي العلاء محاورات أجلّ من محاورة الحبيب، ومجاراة أمتع من مجاراة الشادن الربيب. وقد ذكر ابن العديم منه شذورا وبلغ بها أماني كأنما وفّى بها نذورا. وكان الخفاجي شيعيا مبالغا في الغلوّ لا بل كان رافضيا، إن يزيد في الأرض إلاّ الفساد والغلو. وفي شعره منه تلك التي تستك منها المسامع، وتستل دماء النفوس حسرات بها المدامع ذكر فيها السلف الأول بما برّأهم الله من عيابه وبرّاهم لردّ نباله الراشقة في جعابه، ولقد ذكر أبا بكر الصديق ﵁ في معنى فدلّ بما يدرأ به هذا العظيم الغرابة في سحره، ويردّ به سهم هذا المنتصب عرضا إلى نحره ويرمي به شيطانه الإفك بزخره، ويعاد به حليّه؛ ولو كان العنبر الورد إلى شجره. فأما شعره فمما لا ينكر لؤلؤه لبحره.
عكس الأنام فإن سمعت بناقصفاعلم بأن لديه حظا زائدا
وتفاوت الأرزاق أوجب فيهمأن يجعلوه مصالحا ومفاسدا
وقوله:
ومكبرين صغيرا من عقولهملم يركبوا الخيل إلاّ بعد ما كبروا
أخفوا بكيدهم عذرا فما عبأتسمر الرّماح بما همّت به الإبر
منها:
جرّبتموه فأفنتكم صوارمهولو عقلتم كفاكم دونه الخبر
وقد علا فوق أفلاك النّجوم بهافكيف يلحق من في باعه قصر
حذّر بناس بني حمدان في أممتأتي فقد ظهرت في هذه النّذر
واذكر لهم سيرا في المجد معجزةلولا الشّريعة قلنا إنها سور
السّابقون إلى الدّنيا بما ملكواما أورد النّاس إلا بعد ما صدروا
ومنها:
فرع أبان جناه طيب عنصرهما يعرف العود حتى يعرف الثّمر
منها:
منظومة فإذا فاه الرّواة بهاظننت أنّ نجوم اللّيل تنتشر
من معجزاتي التي لولا بدائعهافي الشّعر شبّه قوم بعض ما سحروا
ومنه قوله:
وجذوة نار دون ذكر مكانهاسريرة حبّ لا يخاف ظهورها
تناهيت في كتمانه فنسيتهفللّه نفس غاب عنها ضميرها
وقوله:
ودع النّسيم يعيد من أخبارهفله حواش للحديث دقاق
ما نمّ من علق العذيب بغائبإلا وقد شهدت به الآفاق
وعلى الغضا إن كنت من جيرانهنار تقسّم حرّها الأشواق
منها:
ومشتّت العزمات ينفق عمرهحيران لا ظفر ولا إخفاق
أمل يلوح اليأس في أرجائهوغنى يشفّ وراءه الإملاق
يمري عقاقة ثروة لو أنّهانوم لما شعرت به الآماق
وقوله:
لو أنصفت زفّت إلى خطّابهاوالبدر تاج والنّجوم نطاق
لم تعترضها بالحجاب نقيصةما كلّ ما ستر البدور محاق
وقوله:
وهاتفة في البان تملي غرامهاعلينا ونتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق جهالةوقد جاوبت من كلّ ناحية إلفا
ويشجي قلوب العاشقين حنينهاوما فهموا ممّا تغنّت به حرفا
ولو صدقت فيما تقول من الأسىلما لبست طوقا ولا خضّبت كفّا
أجارتنا أذكرت من ليس ناسياوأضرمت نارا للصّبابة لا تطفى
منها:
لعمري لئن طالت علينا فإنّنابحكم الثّريّا قد قطعنا لها كفّا
رمينا بها في الغرب وهي ذميمةولم تبق للجوزاء عقدا ولا شنفا
كأنّ الدّجى لّما تولّت نجومهمدبّر حرب قد هزمنا لها صفّا
كأنّ عليه للمجرّة روضةمفتّحة الأزهار أو نثرة زغفا
كأنّا وقد ألقى إلينا هلالهسلبناه تاجا أو فصمنا له وقفا
كأن السّهى إنسان عين قريحةمن الدّمع تبدو كلّما ذرفت ذرفا
كأن سنا المرّيخ شعلة قابستخطّفها عجلان يخطفها خطفا
كأن سهيلا فارس عاين الوغىففرّ ولم يشهد طرادا ولا زحفا
كأن أفول النّسر طرف تعلّقتبه سنة ما هبّ منها ولا أغفى
وقوله:
ما كان يعلم قبل فيض نوالهأنّ الغمام إذا استهلّ بخيل
فرقت عزائمه فشاب لها الدّجىخوفا وأثّر في الهلال نحول
وقوله:
كلّ ميّاس جرت أعطافهوعواليه على حكم التثنّي
هزّة للجود صارت نشوةلم يكدّر عندها العرف بمنّ
وقوله:
وهل علم البرق اليمانيّ أنّناطرقنا به طرفا من الليل أكحلا
وما باله خصّ الغضا بابتسامةوسلّ على رمل الشّقيقة منصلا
وهيفاء طوع الرّيح قد خلع الدّجىعليها هلالا بالنّجوم مكمّلا
لها من خلال المشرفيّ صقالهومن شيم الخطّي أن يتميّلا
وقوله:
وليس بكاء العين إلاّ جنايةولا اللّوم إلاّ أنّها بقيت معي
وكل أسى لا تذهب النّفس عندهفما هو إلاّ من قبيل التّصنّع
وواللّه ما وفّيت ودّك حقّهوهل هي إلاّ لوعتي وتفجّعي
وأين وفائي لامدى الدّمع بالغرضاي ولا جهد الصّبابة مقنعي
وقوله:
أنفقت بعد أبي العلاء مدامعاحبست ذخيرتها على الآماق
وبكيته وجفونها موجودةمثل الحمام تنوح بالأطواق
وظننت في فيض الدّموع من الجوىفرجا فصار بمائها إغراقي
قوله:
ومدامع سبقت خيال نديمهما كنت إلا قطرة من ظلّها
وإذا القلوب ترادفت أحزانهافالدّمع يحمل شعبة من ثقلها
وقوله:
لحا اللّه مغلوبا على نصل سيفهمقيما على نهي الزّمان وأمره
أناخ بدار الهون حتّى كأنّمايرى الرّزق مقصورا على مستقرّه
وقوله:
وقلّ زمان العاجزين فإنّنيلأكرم نفسي أن أقول زماني
إذا باعدت منّا المناسب قرّبتمودّة لا ناس ولا متوان
وإنّ سنان الرّمح ينجد ربّهعلى بعده لا زجّة المتداني
وقوله:
فربّ ليل في هضاب عاقلرقّ نسيما حين طاب ملبسا
يظنني الغيران قد شهدتهوإنّما وصفته تفرّسا
وقوله:
ألوم عليك الوجد وهو مبرّحوأعتب فيك الدّمع وهو نجيع
وأعلم أنّي ما منحتك طائلاوهل هي إلاّ زفرة ودموع
وقوله:
وصبابة علقت بقلب متيّموصل الغرام إليه قبل حجابه
وإذا الغريب صبا إلى أوطانهشوقا فمعناه إلى أحبابه
وقوله:
وظبي من الأعراب رنّحه الصّبافمال وفي أعطافه تقبس الخمر
إذا أخذ المرآة ينظر وجههظننتهما شمسين بينهما بدر
وقوله:
من كان يحمد ليلا في تقاصرهفإنّ ليلي ما يرجى له سحر
لا تسألوني إلاّ عن أوائلهفآخر الليل ما عندي له خبر
وقوله:
فيا قلب قد حذّرتك النظرة الّتيخلست فما راقبت نهيا ولا زجرا
ويا قلب قد أرداك من قبل مرّةفويحك لم طاوعته مرّة أخرى
وقوله:
ومهوّن للوجد يحسب أنّهايوم العذيب مدامع وخدود
سل بانة الوادي فليس يفوتهاخبر يطول به الجوى ويزيد
وانشد معي ضوء الصّباح وقل لهكم تستطيل بك الليالي السّود
وقوله:
يا عيونا بالغضى راقدةّحرّم اللّه عليكنّ الكرى
لو عدلتنّ تساهمنا جوىمثلما كنّا اشترطنا نظرا
سل فروع البان عن قلبي فقدوهم البارق فيما ذكرا
وقوله:
واستخبروا ليلا رعيت شبابهليلا ولم ينصل دجاه شبابي
سهرت كواكبه معي وبعدتمأنتم كواكبه وهنّ صحابي
وقوله:
بيني وبين الذلّ عزّ قناعةنبذ الحمام إباؤها وتبرّضا
وسنان مطّرد الكعوب مثقفكالصل صرّح بالوعيد ونضنضا
إن ضاق مسرح ناقتي بفنائكمفزمامها بيدي وما ضاق الفضا
وقوله:
ما على العذّال لو نظرواثم لاموا فيك واعتذروا
قمر ضلّ الأنام بهما بهذا يعرف القمر
وقوله:
ومن العجائب أنّ بيض سيوفهتبكي دما وكأنّها تتبسّم
فالآن سلّمت القلوب إليكموتيقنّت أنّ الخلافة فيكم
وقوله:
وما أنا بالمشتاق إن قلت بينناطوال العوالي أو طوال السباسب
فما لقلوب العاشقين مزيّةإذا نظرت أفكارها في العواقب
منها:
إذا كان عقل المرء أدنى خلالهفما هي إلا ثغرة للمصائب
وكم حبس القمريّ حسن غنائهوقيّدت البازيّ حجن المخالب
منها:
تظنّ العدا أنّي مدحتك للغنىوما الشّعر عندي من كريم المكاسب
وما شئت إلاّ أن تتمّ صفاتهوللدرّ معنى في نحور الكواعب
وقوله:
ما على أحسنكم لو أحسناإنّما يطلب شيئا هيّنا
قد شجانا اليأس من بعدكمفادر كونا بأحاديث المنى
وعدوا بالوصل من طيفكممقلة تعرف فيكم وسنا
لا وسحر بين أجفانكمفتن الحبّ به من فتنا
وحديث من مواعيدكمتحسد العين عليه الأذنا
ما رحلت العيس عن أرضكمفرأت عيني شيئا حسنا
يا بني عذرة إن خفناكمقدم الهرماس منكم عدنا
أخذت سمركم الثّأر بهلست أعني لكم السّمر القنا
وسللتم فيه ألحاظكمفعرفنا بالسّيوف اليمنا
هل لنا نحوكم من عودةومن التّعليل قولي هل لنا
كم أسلّي النّفس عن حبّكموهي لا تزداد إلاّ حرنا
ولعمري لو وجدنا راحةمن هواكم لطلبنا شجنا
يا نديميّ غفا ذكركموحديث الشّوق قد أسكرنا
بين بصرى وضمير غربيأمن الخائف فيهم ما جنى
كلّما شنّت عليهم غارةأغمدوا البيض وسلّوا الأعينا
طلعت للحسن فيهم مزنةأنبتت في كل حقف غصنا
ما لقلبي ليس يشفى داؤهكلّما زال ضنا عاد ضنا
لو سلمنا من تباريح الجوىلذكرنا جملة من أمرنا
وشكرنا لابن نصر منّةأنطقت بالمدح فيه الألسنا
قوله:
إذا هجرتكم لم أخش سطوتكموإن مدحت فما حظّي سوى التّعب
فحين لم ألف لا خوفا ولا طمعارغبت في الهجو إشفاقا من الكذب
قوله:
هل تسمعون شكاية من عاتبأو تقبلون إنابة من تائب
أم كلّما يتلو الصديق عليكمفي جانب وقلوبكم في جانب
أمّا الوشاة فقد أصابوا عندكمشرفا ينفّق كلّ قول كاذب
فمللتم من صابر ورقدتمعن ساهر وزهدتم في راغب
وأقلّ ما حكم الملال عليكمسوء القلى وسماع قول العائب
وقوله:
وعلّمتوني كيف أصبر عنكموأطلب من رقّ الغرام بكم عتقا
فما قلت يوما للبكاء عليكمرويدا ولا للشّوق نحوكم رفقا
وما الحبّ إلا أن أعدّ قبيحكمإليّ جميلا والقلى منكم عشقا
وكان أبو محمد الخفاجي قد عصا بقلعة عزاز من أعمال حلب، وكان بينه وبين أبي نصر، محمد بن الحسن ابن النحّاس الوزير لمحمود وغيره مودّة أكيده. فأمر محمود أبا نصر أن يكتب إلى الخفاجي كتابا يستعطفه ويؤمنه. وقال: إنه لا يأمن إلاّ إليك، ولا يثق إلاّ بك.
فكتب إليه كتابا، فلما فرغ منه، وكتب: إن شاء الله، وشدّد النون من إن شاء الله. فلما قرأه الخفاجي خرج من عزاز قاصدا إلى حلب. فلما كان على ظهر الطريق أعاد النظر في الكتاب، فلمّا رأى التشديد على النون أمسك رأس رأسه وأفكر، وقال في نفسه: لم يكتب ابن النحاس هذا عبثا، فلاح له ﴿إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (¬﴾، فرجع إلى عزاز ولم
يدخل حلب. وكتب إليه الجواب: إنّا الخادم المعترف بالإنعام، وكسر الألف من، أنا، وشدّد النون وفتحها.
فلمّا وقف الشيخ أبو نصر على الكتاب سرّ بما فيه، وقصد بذلك: ﴿إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها (¬﴾: فكتب إليه يحذّره ويستصوب رأيه في ترك الحضور، ويستعلم أخباره فكتب إليه ابن سنان، وهو آخر شعر قاله:
خف من أمنت ولا تركن إلى أحدفما تزيد على غدر الأعاريب
تمسّكوا بوصايا اللّؤم بينهموكاد أن يدرسوها في المحاريب
أعدّ قرب رحيلي منهم فرجاوما مقامي وعيش الدّهر يسري بي
قال: فلما رأى محمود امتناع ابن سنان من حضور مجلسه، والركون إليه أخذ يفكر في حيلة يبلغه بها، فاستدعى أبا نصر ابن النحاس، وقال له: أنت أشرت عليّ بتولية هذا الرجل، ولا أعرف فراغ بالي منه إلا من جهتك، ومتى لم تفعل ما آمرك به قتلتك، وألحقت بك جميع من بينك وبينه حرمة. واعلم أن العلامة في نصحك وترك الغش منك لي موته. ومتى لم يقع هذا ألاّ أقبل لك عذرا. وضربت عنقك. فقال له: مرني بأمرك. قال: تمضي إليه، وفي صحبتك ثلاثون فارسا، فإذا قاربته أنفذت من يعرفه حولك؛ فإنه إذا عرف ذلك لا يرى ترك النزول إليك والتلقي لك، فإذا فعل ذلك وسألك النزول عنده والأكل معه فامتنع، وعرّفه أني حلّفتك ألاّ تأكل زاده، ولا تحضر مجلسه حتى يعطيك في الحضور عندي. وطاوله في المخاطبة حتى يقارب الظهر، ثم ادّع أنك قد جعت واخرج هذين الخشتنانكتين، فكل أنت هذه وأطعمه هذه، فإن استوفى أكلها عجّل الرجوع إليّ؛ فإن ميتته فيها.
فسار ابن النحاس مقدّما رجلا ومؤخرا أخرى، مقسّم الفكر في إتلاف مثل ذلك الأخ.
قال: وعزمت على الهرب، ثم فكّرت فيمن خلّفت من العائلة، فألجأته الضرورة إلى أن فعل
جميع ما أمر به محمود. وكان بين ابن سنان وبين ابن النحاس من المودّة والصفاء ما لم ينكر معه شيئا ممّا جرى.
قال: وجعل والله يأكلها فلما استوفى أكل كشتنانكته صرفت رأس فرسي إلى حلب، مجدّا في السير، خوفا من الطلب، ورجع ابن سنان إلى مركزه من القلعة فلما استقرّ بها وجد مغصا شديدا، ورعدة مزعجة، ثم قال: قتلني والله أخي أبو نصر بما أطعمني من زاده.
وأمر بالركوب خلفه وردّه، فركبوا خلفه ففاتهم، ووصل ابن النحاس عشاء إلى حلب، وعرّف محمود بما جرى. فلمّا أصبح، كان من الغدو قد وصل من عزاز من أخبر أن ابن سنان في الشاقّ. واستدعى ابن سنان حضور الشريف أبي المعالي النقيب.
وحكى أبو الحسن علي بن معن، قال: كنت ممّن خرج من حلب إلى عزاز يومئذ فوجدنا الشيخ أبا محمد ابن سنان ليس له يد تتحرك، فجعل يتصفّح وجوهنا، ولا يستطيع كلامنا، ثم مات ﵀ سنة ست وستين وأربعمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع