تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سلامة بن رحمون أبو الخير

قرن لا يمل المصاع، ولا يكايل بالمد والصاع، فكان لو عوّقه في طريقه جبل لاقتلعه، أو أشرقه بريقه أسد لابتلعه، إلا كدية عرضت له فلم يستطع

صعود ذروتها، ولا بدر على ارتقاء صفاها ولا مروتها، فباء بخجلته وبقي تحت مذلة مضلّته.

قال ابن أبي أصيبعة: "كان يهوديا له أعمال حسنة، واطّلاع على كتب جالينوس، والبحث عن غوامضها، ولما وصل أبو الصلت إلى مصر اجتمع به وجرت بينهما مباحث ومشاغبات، وقد ذكر أبو الصلت في رسالته المصرية قال:

وأشبه من رأيته منهم وأدخله في عداد الأطباء رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك، وأخذ عنه شيئا من صناعة المنطق، تخصص بها، وتميز على أضرابه، وأدرك أبا كثير بن الزفان تلميذ أبي الحسن بن رضوان، فقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصّب نفسه لتدريس جميع المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه، وفسر، ولخّص، ولم يكن هنك في تلخيصه وتحقيقه واستقصائه عن لطيف العلم ودقيقه، بل كان يكثر كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل، ولقد سألته أول لقائي له واجتماعي به عن مسائل استفتحت مباحثته بها مما يمكن أن يفهمها من لم يكن يمتد في العلم باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء تصوره وفهمه، وكان مثله في عظم دعاويه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه، كقول الشاعر:

يشمر للج عن ساقهويغمره الموج في الساحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أو كما قال الآخر:

تمنيتم مائتي فارسفردّكم فارس واحد

قال أبو الصلت: وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى جرجس، ويلقب بالفيلسوف على ما قيل في الغراب أبي البيضاء، وفي اللديغ سليم، قد

تفرغ بالتولّع بابن رحمون والإزراء عليه، وكان يزوّر فصولا طبية وفلسفية، يقررها في معارض ألفاظ القوم وهي محال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة فيها، ثم إنه ينفذها إلى من يسأله عن معانيها، ويستوضحه أغراضها، فيتكلم عليها، ويشرحها بزعمه، دون تيقظ ولا تحفظ بل باسترسال واستعجال، وقلة اكتراث واهتبال، فيوجد فيها عنه ما يضحك منه. وأنشدت لجرجس هذا عنه وهو أحسن ما سمعته:

إن أبا الخير على جهلهيخفف في كفته الفاضل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة
عليله المسكين من شؤمهفي بحر هلك ما له ساحل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة
ثلاثة تدخل في دفعةطلعته والنعش والغاسل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.