تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عنان جارية النطافي

مهاترة أبي نواس، ومظهرة غرائب الأنفاس، لم تبلغ مبلغها في المولدين امرأة

من النساء، ولا حظي بمثلها أحد من الرؤساء، ولا سمع مثل شعرها إلا من الخنساء، وغلبت على هوى الرشيد غلبة أوهنت عرقه، وأوهنت حدقه، حتى كاد ينضب بها جدول أمّ جعفر، وتمر ماردة وتكفر، فنصبت لها أمّ جعفر أشراك الحيل، ومدت لها طوائل الطيل، وأقامت من أبي نواس لها قرنا منابذا، وراميا إليها سهما نافذا، مقبحا لحسنها، ومبغضا لأجنها، حتى سفّه رأي الرشيد، ونكّد فيها علة عيشه الرغيد.

قال أبو الفرج: نشأت باليمامة وتأدبت، وهمّ الرشيد أن يبتاعها، ثم منعه هجاء الشعراء لها، وكان ذلك بكيد من زبيدة، دخلت عليه وهي تتبختر، فقال لها: أتحبين أن أبتاعك؟ قالت: ولم لا أحب ذلك يا أحسن الناس خلقا وخلقا قال: أما الخلق فظاهر، وأما الخلق فما علمك به؟ قالت: رأيت شرارة قد طاحت من المجمرة حين جاء الغلام بالبخور إليك، فسقطت على ثوبك فأحرقته، فو الله ما قبضت لها وجها، ولا راجعت في جنايتها حرفا فقال لها: والله لولا أن العيون قد ابتذلتك لاشتريتك، ولكن لا يصلح للخلافة ما هذا سبيله، فاشتراها طاهر ابن الحسين.

وروى الأصمعي قال: بعثت إليّ أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك، قال: فالتمست وقتا لخطابه فأعوز، وكنت أهابه فلا أقدم عليه ابتداء، فرأيت يوما في وجهه أثر الغضب، فقال: هذا

الناطفي مولى عنان، أما والله لولا أني لم أجر في حكم قط متعمدا، لجعلت على كل حبل منه قطعة، ومالي في جاريته أرب غير الشعر، فقلت: أجل ما فيها غير الشعر، أو يسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق، فضحك حتى استلقى وترك ذكرها.

وحكى يعقوب بن إبراهيم، أن الرشيد طلب من الناطفي جارية، فأبى أن يبيعها بأقل من مئة [ص] ألف دينار، فقال له: أعطيتكها على صرف سبعة دراهم بدينار، فأمر أن تحضر، فأحضرت ثم لم يمض البيع، ولم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها الناطفي، فبعث بمسرور الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، ووقفها على سرير، وعليها رداء رشيدي قد جللها، فنودي عليها، بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: على مالكها دين، فأفتوا في بيعها، فانتهت إلى مئتين وخمسين ألف درهم، فأخذها مسرور، ولم يكن فيها ما يعاب، فطلبوا لها عيبا لئلا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها شيئا في ظفرها. فأولدها الرشيد ابنين ماتا صغيرين، ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك، وماتت بعده بمدة يسيرة.

وروى ابن عمار أنها خرجت إلى مصر وماتت بها حين أعتقها النطاف، ورثته بقولها:

يا دهر أفنيت القرون ولم تزلحتّى رميت بسهمك النّطافا
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

وكانت مجيدة في الشعر مقصرة في الغناء، جارت مروان بن أبي حفصة وأبا نواس والعباس بن الأحنف، وكان يتعشقها العباس بن الأحنف.

حكى رجل أن ابن أبي حفصة قال: لقيني الناطفي فدعاني إلى عنان،

فانطلقت معه إليها، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس مروان، وكانت عليلة، فقالت: إني عنه لفي شغل، فأهوى إليها بسوطه، فضربها به، فبكت فرأيت الدموع تنحدر من عينيها فقلت:

بكت عنان فجرى دمعهاكالدّرّ إذ ينسلّ من خيطه

فقالت مسرعة بديهة:

فليت من يضربها ظالماتيبس يمناه على سوطه
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقلت للنطاف: أعتق مروان ما يملك إن كان في الإنس والجن أشعر منها.

وأنشدها أبو نواس:

علقت من لو أتى على أنفس الماضين والغابرين ما ندما
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «جنان إن جدت يا مناي بما»

قالت:

لو نظرت عينه إلى حجرولّد فيه فتورها سقما
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «جنان إن جدت يا مناي بما»

وحكى أحمد بن معاوية قال، قال لي رجل تصفحت كتبا، فرأيت فيها بيتا جهدت جهدي [ص] أن أجد أحدا يجيزه لي فلم أجده، فقال لي

صديق لي: عليك بعنان، فأتيتها فأنشدتها وهو:

ويبكي فأبكي رحمة لبكائهإذا ما بكى دمعا بكيت له دما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

وحكى الحسن بن وهب قال: دخلت على عنان يوما، فسألتني أن أقيم عندها، ففعلت، وأتينا بالطعام والشراب، فأكلنا وشربنا، وغنتني، فكان غناؤها دون شعرها، فشربت ستة أرطال ونكتها خمسة، وضجرت فقالت لي: ما أنصفت، شربت ستة ونكت خمسة، فتغافلت وقلت: غني صوتي:

خليلي ما للعاشقين قلوبولا للعيون الناظرات ذنوب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «خليلي ما للعاشقين قلوبْس»
ويا معشر العشاق ما أبغض الهوىإذا كان لا يلقى المحب حبيب

فغنت:

خليلي ما للعاشقين أيورولا لحبيب لا يناك سرور
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
ويا معشر العشاق ما أبغض الهوىإذا كان في أير الحبيب فتور

فخجلت وانصرفت.

وكتبت عنان على عصابتها باللؤلؤ: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)

وقال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: أنشدني أبي لعنان:

نفسي على حسراتها موقوفةفوددت لو خرجت مع الحسرات
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
لو في يديّ حساب أيامي إذاأنفقتهن تعجلا لوفاتي
لا خير بعدك في الحياة وإنماأبكي مخافة أن تطول حياتي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «نفسي على زفراتها محبوسة»

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.