من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
جيداء جارية سيف الدولة
ابن حمدان، وكانت أخت الغزالة محاسن، وشبه الغزال من نظر فاتن، إلى سرّ فيها كامن، وسرى طرب يحرك كل ساكن، وخلائق كأنّ نشر الصبا دمّثها، وكأن هاروت وماروت نفثها، لو اعترضت لسرية عبس لأوقفتها عن السّرح، أو سمعتها أذن بلقيس لألهتها عن الصرح، ولو تلمحت عن وجهها الأسارير لقالت إنه صرح ممرّد من قوارير، ومن مشاهير أصواتها:
يا طول شوقي إلى الرحيل غداويا بلائي منه إذا وفدا
أضناني الحبّ إذا تعرض بيما قتل الحبّ هكذا أبدا
والشعر لسيف الدولة، ويقال لغيره، والغناء فيه ثقيل أول مزموم.
وكذلك من أصواتها:
لك أن تمنع الجفون الهجوعاولنا أن نسحّ فيها الدّموعا
يا بديع الجمال أبدعت في الصّدد كما في هواك صرت بديعا
والشعر لعلي بن محمد العلوي.
قال ابن ناقيا: ويغنّى في الرمل المطلق، وحكي أنها كانت تنافث العلماء، وتطارح الشعراء، وكانت لا تزال تحضر مجلس سيف الدولة وراء ستر يسبل دونها، وهي بإزاء عين سيف الدولة، حيث ينظر [ص]، فلما أقام أبو الطيب المتنبي لديه ماثلا، وأنشد في مدحه قائلا قصيدته التي أولها:
لكلّ امرئ من دهره ما تعوّداوعادات سيف الدّولة الطّعن في العدى
اهتزت لها من وراء الستر طربا، وصنعت لحنا في قوله منها:
تركت السرى خلفي لمن قل مالهوأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نفسي في هواك محبةومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
والغناء فيه رمل مطلق، فلم يفرغ أبو الطيب من إنشاده حتى فرغت من
صنعته، ثم بعثت بالخادم إلى سيف الدولة تعلمه أنها صنعت لحنا فيه، فصرف الناس إلا خاصته، وأبقى أبا الطيب منهم، ثم قال: يا جيداء، هات ما صنعت، فاندفعت تغني الأبيات، قال أبو الطيب: فو الله ما ظننت إلا أن المجلس يرقص بنا، فاستعادها، ثم لم يزل يستعيدها وهي ترددها حتى مضت سحابة يومنا، وكأننا في كل مرة أول ما سمعناه، ثم أمر لي سيف الدولة بجائزة جليلة، فقلت: هي والله يا أمير المؤمنين أحق بها، فسألتك بالله إلا ما جعلته لها، فقال: بل هي لك ولها مثلها.
ومن أصواتها السيارة في شعر ابن المعتز:
وليل قد سهرت ونام فيهندامى صرّعوا حولي رقودا
أنادم فيه قهقهة القنانيومزمارا يعللني وعودا
فكاد الليل يرجمني بنجموقال أراه شيطانا مريدا
والغناء فيه من الرمل المزموم، وقد ذكر الثعالبي في اليتيمة لجيداء هذه خبرا مع سيف الدولة وأبي فراس بن حمدان قريبه غير أنه لم يسمّها، قال: وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش، وملابسة الحروب، وممارسة الخطوب، فوافت حضرته إحدى المحسنات من فتيات بغداد، فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها، ولم تر أن يبدأ باستعارتها قبل سيف الدولة، فكتب إليه يحثه على استحضارها، فقال:
محلك الجوزاء أو أرفعوصدرك الدهناء بل أوسع
[ص]
وقلبك الرحب الذي لم يزلللجد والهزل به موضع
رفه بقرع العود سمعا غداقرع العوالي جل ما يسمع
فبلغت هذه الأبيات المهلبي الوزير، فأمر القيان بحفظها وتلحينها، وصار لا يشرب إلا عليها، انتهى.
ولعل هذه جيداء، وكان هذا قبل أن يشتريها سيف الدولة، أو لعلها جارية أخرى قدمت عليه ولم تصر إليه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع