من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عين الزمان أبو القاسم
مطرب لو غنى للجهام لهتن، أو للسالي الغرام لأثار له الفتن، بضرب أشجى من الورقاء، وأشد حنينا من قلب المحب للقاء، لو سمعته صخرة الوادي لتفجرت، أو مقلة القاسي لجرت، وله أصوات منها:
سترت بنفسج صدغها بنقابهاوحمته بالتطريف من عنابها
بدوية ألفاظها ولحاظهاوالروم تستولي على أنسابها
شرق الجمال بحمرة في خدهاخجلا فكاد يفيض ماء شبابها
والشعر لأبي الوليد أحمد بن محمد البخاري، والغناء فيه مزموم الرمل. قال ابن ناقيا: أنشدني إياه عنه أبو محمد الحسن بن سهل بن خلف، شيخ من مشايخنا، مليح العارضة والمحاضرة، قد لقي جماعة من العلماء، وروى عنهم الأحاديث والأسانيد، وكان قد صحب الإخوان، وعرف الزمان وحلب الدهر أشطره وأتلف باللذة تالده في معاشرة من عاشره، حتى سلب الشيب غرامه، وجلله ثغامه، فأيقظ حلمه، وألقى بين عينيه غرمه، فكان يحضر مجالس الأنس تعللا، لاحظ له في غير السماع والمشاهدة والمحادثة والمناشدة، فبينا أنا وجماعة [ص] من أبناء الأدب، حضور عند بعض الرؤساء على مذاكرة ومعاقرة، والشيخ قد انتظم في سلك اجتماعنا، ونثرت الأغاني عقودها في أسماعنا، قال الشيخ: بيوم من أيام الشبيبة، وقد حضر مجلسا كمجلسكم هذا، آهلا من الأدب والطرب، وطرأ إلينا أبو الوليد البخاري، فأخذ في شأننا، ولم يأل في إنشادنا، وكان مطبوع الخلق، محتملا للدعابة، فقلت له مازحا: دعنا من أقطاعك الباردة، فقال: هل لك في الإنصاف؟ فقلت: أجل، فأنشد أبياته المذكورة، وقال: أمن الشعر البارد هذا؟ قلت: لا والله، وجعلت أعتذر إليه،
وتعاطى روايتها جماعة الحاضرين شغفا بها، واقترحها على بعض المغنين، فغنّى فيها، وتصرم يومنا بسماعها، حتى أخذ منا الشراب، فيا له يوما كأيام، ثم نطقت إشارته بالتأسف على ما مضى من زمانه، فقلنا له: نحن نتمم لك الحلف من يومك السالف باقتراح الغناء في الأبيات، وإليك ما يقتضيه سماعها، وتقدمنا إلى أبي القاسم عين الزمان وهو حاضر، وكان له مذهب في حسن الإيقاع وجودة الاختراع، فغنى بها في هذا اللحن، فطار المجلس بأهله سرورا وطربا وقام الشيخ الخلفيّ يصفق بيده ثم قال: والله لأؤدينّ هذا الصوت بنقض التوبة، وتناول كأسا فسرّ بها فداخلنا العجب مما رأينا من ارتياحه وطربه، وصار الصوت من قلائد عين الزمان وخاصة غنائه يسميه ناقض التوبة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع