تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ومنهم، فضل اليمامية

جارية المتوكل وهي المعروفة بفضل الشاعرة، أجلّ أن تكون أخت الخنساء، أو تقع في تخت أحد من الرؤساء، جارت الفحول وجبذت وقيدتهم الوحول، ومهرت في القريض، وحبّرت منه الروض الأريض، وعلقت فيه القرناء، وقد ذكرها صاحب كتاب الإماء قال: كانت من مولدات البصرة، وبها نشأت، وذكر محمد بن داود أنها عبدية، وكانت تزعم أن أمها علقت بها من مولى لها من عبد القيس، وأنه مات وهي حامل بها، فباعها ابنه فولدت بعد بيعها واسترقت، وكانت سمراء حسنة الوجه والقد والجسم، شكلة حلوة أديبة فصيحة سريعة الهاجس، حادة الخاطر، مطبوعة في الشعر متقدمة فيه، وكانت تجلس في مجلس المتوكل على كرسي وتقارض الشعراء الشعر بحضوره، فألقى عليها يوما أبو دلف [العجلي]

قالوا عشقت صغيرة فأجبتهمأشهى المطي إلي مالم يركب
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبةلبست وحبة لؤلؤ لم تثقب

فأجابته بديها:

للناس أهواء ولذة بعضهموهواه في الأمر الذي لم يصعب
ويرى سواه يحب بكرا كاعباكم بين بكر في القياس وثيب

وكتب إليها بعض من كان يحضرها:

ألا ليت شعري أنت هل تذكريننيفذكرك في الدنيا إلي حبيب

[ص]

وهل لي نصيب في فؤادك ثابتكما لك عندي في الفؤاد نصيب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»
فلست بمتروك فأحيا بزورةولا النفس عند اليأس عنك تطيب

فكتبت إليه:

نعم وإلهي إنني بك صبةفهل أنت يا من لا عدمت مثيب
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
لمن أنت منه في الفؤاد مصوّروفي العين نصب العين حين تغيب
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
فثق بفؤاد أنت تظهر مثلهعلى أن بي سقما وأنت طبيب

وقال علي بن يحيى: دخلت على المتوكل يوما، فدفع إليّ رقعة وأمرني بقراءتها، فإذا فيها:

قد بدا شبهك يامولاي يحدو بالظلام
فأجب نقض لبانات اعتناق والتزام
قبل أن تفضحنا عودة أرواح النيام
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

قلت: مليح والله قائلها، لمن هو؟ قال: وعدتني فضل البارحة على أن أبيت معها، فسكرت سكرا شديدا منعني من التيقظ لها، فلما أصبحت وجدت رقعتها في كمي، والشعر لها وهو بخطها.

وروى أبو هفان عن رجل قال: خرجت قبيحة على المتوكل في يوم نيروز وفي يدها كأس من بلور فيه شراب صاف، فقال: ما هذا؟ فقالت:

هديتي إليك في هذا اليوم، عرفك الله يمنه، فشربه وقبّل خدّها، فقالت فضل:

سلافة كالقمر الباهرفي قدح كالكوكب الزاهر
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
يديرها خشف كبدر الدجىفوق قضيب أهيف ناضر
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
على فتى أروع من هاشممثل الحسام المرهف الباتر
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

وحكى أحمد بن أبي طاهر قال: ألقى بعض أصحابنا على فضل:

ومستفتح باب البلاء بنظرةتزّود منها قلبه حسرة الدّهر

فقالت:

فو الله ما يدري أيدري بما جنتعلى قلبه أم أهلكته وما يدري

[ص]

وحكى أبو يوسف الضرير قال: صرت أنا وأبو منصور الباخرزي إلى فضل الشاعرة، فحجبنا عنها، وما علمت بنا، ثم بلغها خبرنا بعد انصرافنا، فكتبت إلينا تعتذر:

وما كنت أخشى أن ترى لي زلّةولكّن أمر اللّه ما عنه مهرب
أعوذ بحسن الصّفح منكم وقبلنابعفو وصفح ما تعوّذ مذنب

فكتب إليها أبو منصور [الباخرزي]

لئن أهديت عتباك لي ولإخوتيلمثلك يا فضل الفضائل تعتب
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبهوكل امرئ لا يقبل العذر مذنب

وحكى عليّ بن الجهم قال: كنت يوما عند فضل الشاعرة فلحظتها لحظة استرابت بها، فقالت:

يا ربّ رام حسن تعرّضهيرمي ولا يشعر أنّي غرضه
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

فقلت:

أيّ فتى عهدك ليس يمرضهوأيّ عهد محكم لا ينقضه

فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.

ومن شعرها ما كتبت إلى سعيد بن حميد، فكان منهما ما كان:

الصّبر ينقص والسّقام يزيدوالدّار دانية وأنت بعيد
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
أشكوك أم أشكو إليك فإنّهلا يستطيع سواهما المجهود
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

وكتبت:

وعيشك لو صرحت باسمك في الهوىلأقصرت عن أشياء في الجد والهزل
ولكنني أبدي لهذا مودةوذاك وأخلو منك خلوة ذي خبل
مخافة أن يغرى بنا قول كاشحعدوا فيسعى بالصدود على الوصل

فكتبت إليها:

تنامين عن ليلي وأسهره وحديوأنهى جفوني أن تبثك ما عندي
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلتهبنا فانظري ما ذا على قاتل العمد

[ص]

وحكى القاسم بن زرزر قال: قصد سعيد [بن حميد العراق] لحمى نالته، فسألتني فضل أن أساعدها أنا وعريب، في المضي إليه للسلام عليه، وأهدت إليه هدايا فيها ألف جدي وألف دجاجة فائقة وألف طبق فاكهة، وطيب كثير وشراب وتحف حسان، فكتب إليها سعيد: إن سروري لا يتم إلا بحضورك، فجاءته في آخر النهار، وجلسنا نشرب، واستأذن غلامه بنان، فأذن له فدخل إلينا وهو يومئذ شاب طرير حسن الوجه، حسن الغناء، سريّ الملبوس كثير العطر شكل، فذهب بفضل كل مذهب، وبان ذلك في إقبالها عليه، وتحققها به، فتنمر سعيد واستطير غضبا، وتبين ذلك لبنان فانصرف، وأخذ سعيد يعذلها ساعة ويوبخها تارة ويزيد في تأنيبها، وهي تعتذر منه، ثم سكت، فكتبت إليه

فضل:

يا من أطلت تفرسيفي وجهه وتنفسي
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
أفديك من متدلليزهى بقتل الأنفس
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
هبني أسأت - وما أسأت - بلى أقر أنا المسي
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
أحلفتني أن لا أسارق نظرة في مجلسي
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
فنظرت نظرة مخطئأتبعتها بتفرسي
ونسيت أني قد حلفت فما عقوبة من نسي؟
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

فقام سعيد لوقته وقبل رأسها، وقال: لا عقوبة عليك، بل نحتمل هفوتك ونتجافى عن زلتك، وغنت عريب في الشعر رملا، وشربوا عليه بقية يومهما ذلك، ثم افترقا، وقد أثر بنان في قلبها أثرا، وعلقته، ولم تزل تواصله سرا حتى ظهر أمرهما، ثم غضب بنان على فضل في أمر أنكره، فاعتذرت فلم يقبل، فكتبت إليه كأنها تخاطب نفسها:

يا فضل صبرا إنّها ميتةيجرعها الكاذب والصادق
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
ظنّ بنان أننّي خنتهروحي إذا من جسدي طالق
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.