من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
لحاظ المغنية
سحرت فقيل لحاظ، وملأت نفس كل عاشق مغاظ، طالما تجلّت فجلت الهموم، وغنّت فاقتادت القلوب المزموم، وبرزت فتنة للأنام، ومحنة للمستهام، إلا أنها لو تقدمت زمانا كما لو تقدمت افتنانا، لأرخصت دنانير وصرفت عنانا، وأعربت بما لم تدع لعريب امتنانا، كانت تلازم مجلس الغناء عند الخليفة المستعصم، وكان يعجبه غناؤها.
قال صفي الدين عبد العزيز، حدثتني لحاظ قالت: داعبني الخليفة، يعني المستعصم، يوما ونحن في خلوة مداعبة ظننت أنه يريد مني بعض الأمر، فظهر له مني ما يدل على الإجابة، فتوقر وغضب، وقال: ويلك أظننت أني جاد، وهل ترين إلا المزاح، نعوذ بالله من المعصية.
قال عبد المؤمن: كان ببغداد رجل يقال له ابن معمر، وكان ناظر ديوان المكوس، وكان يسكن الكرخ، وكان يحمل إليها في كل شيء خمس مئة دينار، وانطوى ذلك عن الخليفة، ففي بعض الأيام حضرت لحاظ على عادتها بين يدي الخليفة مع جماعة من المغنين فغنت: [ص]
ذكر الكرخ نازح الأوطانفاستهلّت مدامع الأجفان
فقال بعض الحاضرين من المغنين: كيف لا يذكر الكرخ من يصل إليه في كل شهر خمس مئة دينار، فسأل الخليفة عن القصة، فأخبروه بالحال، فأمر بنفي المغنية، وعزل ابن معمر عن ولايته، وما زالت تستصفى أمواله.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع