تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

خنساء البرمكية

وكانت لبعض آل يحيى بن خالد، تزهى بها الأساور والقلائد، تفتك بلحظها، وتفتن بلفظها، مغنية تهز الجماد، وشاعرة لا تغترف من ثماد، لو قيست ببنت عمرو بن الشريد لعرف من أي البحرين يلتقط الفريد.

قال عمرو بن بانة: كان من جيراني رجل من البرامكة، وكانت له جارية أديبة مغنية يقال لها خنساء، يدخل إليها الشعراء فيقارضونها ويسألونها عن المغاني فتأتي بكل غريبة وبديعة، فدخل إليها يوما سعيد بن وهب فحدثها طويلا ثم قال:

أبيني لي يا خنساء عن جنس من الشّعر
وما ذا طوله شبروقد يوفي على الشّبر [ص]
له في رأسه شقنطوف بالنّدى يجري
إذا ما جفّ لم ينفعك في برّ ولا بحر
وإن بلّ أتى بالعجب المعجب والسّحر
وإنّي لم أرد فحشاوربّ الشّفع والوتر
ولكن صغت أبياتاحوت معنى من السّرّ

قال: فغضب مولاها وتغير لونه، وقال لسعيد: أتخاطب جاريتي بالفحش والخنا؟ فقالت الجارية: خفض عليك، فما ذهب إلى ما ظننت، وإنما يعني القلم، فسري عنه وضحك سعيد وقال: هي أعلم منك بما سمعت، فاحتبسه مولاها عنده يومه، فجعلت تغنيهم تارة وتقارضهم تارة إلى أن سكروا.

قال عمرو [بن بانة] ثم لقيني مولاها فسألته عن القصة فحدثني بها، وأخرج إليّ ابتداء سعيد وجوابها تحته، وهو:

أبا عثمان حاجيتبما قلت من الشعر
فتاة ذلّل الشعرلها صافية الفكر
وفي ظاهره فحشوليس الفحش في السّرّ
أردت المخطف المرهفإذ يبريه من يبري

وكتبت البرمكية على عصابتها:

ولا خير في شكوى إلى غير مشتكيولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة

وكانت جارية ماهرة، أديبة شاعرة، تأتي بكل غريب، وتبلغ مالا يجرجر فيه بعنان ولا تحدث عن عريب، صفراء من مولدات البصرة نشأت حيث يرف النخيل، ويرق السلسبيل، وكانت فضل الشاعرة تهاجيها ولا تهيجها، ولا يلفى

في الحسن ما تنشره بهجتها، وكان لكل واحدة منهما عصبة من شعراء الوقت يتعصبون لها وهي لا تتقنع، ويعيبون لديها الأخرى وما فيهم إلا من يتصنع.

حكى أحمد بن أبي طاهر قال: كانت فضل تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف، وكان أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي يعاون فضلا الشاعرة على خنساء ويهجوها [ص] على لسانها، وكان الحفصي والصعيدي يعاونان خنساء، فقال أبو الشبل فيها على لسان فضل:

خنساء طيري بجناحينأصبحت معشوقة نذلين
من كان يهوى صاحبا واحدافأنت رهن بهوى اثنين
هذا الصعيدي وهذا الفتى الحفصي زاراك كقردين
وكنت من هذا وهذا كماينعم خنزير بحشّين

فقالت خنساء:

ما ذا مقال لك يا فضل بلمقال خنزيرين فردين
يكنى أبا الشّبل ولكنّهدعوه بالكلب بن كلبين

فقالت خنساء في فضل:

تقول له فضل إذا ما تخوّفتركوب قبيح الذّلّ في طلب الوصل
حر أمّ فتى لم يلق في الحب ذلّةفقلت لها لا بل حر أمّ أبي الشّبل

ولها أيضا فيها أبيات:

لعب الفحول بسفلها وعجانهافتمرّدت كتمرّد الفحل
لّما كنيت بما كنيت بهوتسمّت النقصان بالفضل
كادت بنا الدنيا تميد ضحىوترى السماء تذوب كالمهل

فغضب أبو الشبل وهجا مولاها فقال:

نعم مأوى الغراب بيت هشاممسعف بالحرام أهل الحرام
من أراد المبيت يبغي سفاحاوينال المراد تحت الظلام
فهشام يبيحه في دجى الليل فتاة تدعى فتاة هشام
ذاك حرّ دواته لا تعرّىأبدا من تردّد الأقلام

وذكر أحمد بن الطيب أن أبا الشبل كان يهوى خنساء ثم هجاها فهجرته، فعدل عنها إلى فضل الشاعرة، ووعد أبو الشبل يوما خنساء أن تزوره،

وجاء [ص] مطر شديد منعها من زيارته، فقال يذم المطر:

دع المواعيد لا تعرض لوجهتهاإنّ المواعيد مقرون بها المطر
إنّ المواعيد للأحباب قد منيتبه بأنكد ما يمنى به البشر
كذا الثياب فلا يغررك إن غسلتصحو شديد ولا شمس ولا قمر
وإن هممت بأن تلقاك زائرةفالغيث لا شك مقرون به السّحر

وكان سبب القطيعة بينهما أنه سكر عندها، فخاطبها مغلظا لها في شيء فقالت: بم تدل على الناس؟ بأكثر من شعرك؟ وإنه لغير طيب، ووالله لئن شئت لأهجونك بما يبقى عليك عاره، فغضب وقال فيها:

خنساء قد أفرطت عليناتزعم أن ليس لي مجير
تاهت بأشعارها وصالتكأنّما ناكها جرير

فخجلت ولم تجبه، وتقاطعا، وقيل: بل قالت فيه مبتدئة:

قل لأبي الشّبل إن أتاهمقذع سبّ له مجير
هيهات ما إن له مجيرولا نصير ولا ظهير

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.