تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

بدعة الكبرى جارية عريب

وكانت بديعة في الجمال، ونبعة للآمال، إلى صنعة غريبة، ولفتات للظنون مريبة، وحركات من حركات عريب قريبة، حتى لأصبحت بها تشبه المحسنات، وتنبه اللواحظ الوسنات، قام بها الحسن أتم القيام، وجلاها في صفة التمام.

قال الأصفهاني: كانت أحسن أهل دهرها وجها وغناء، وقد ذكرت من أخبارها في كتاب القيان، وكانت تقول شعرا ليس هو بمستحسن من مثلها، وكان إسحاق التغلبي يهواها، وخبره معها مشهور، فلم تفكر فيه حتى التقيا بحضرة المعتصم، ثم عرفت مقداره وواصلته وزارته، فحدثني عرفة وكيلها قال:

لما رأى إسحاق بن أيوب بدعة، وسمع غناءها زاد عشقه بها ومالت إليه، بعد انحراف ونفار وبغض له، وكانت تبعث بالشعر فكتبت إليه:

كيف أصبحت سيدي وأميريعشت في [ظل] نعمة وحبور
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
علم اللّه كيف كان اغتباطيونعيمي وبهجتي وسروري
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
بلقاء الأمير لاعدمت نفسي وعيني لقاءه من أمير

فلما أوصلتها [إليه] سرّ بها سرورا [شديدا]، وخلع عليّ خلعة نفيسة من ثيابه، ووصلني بثلاث مئة دينار، وبعث معي بهدايا إليها فيها ألف دينار مسّيفة قد أطبقت دينارين دينارين على غالية ودرج كبير من ذهب مملوء مسكا وعنبرا وندّا، ومئة ثوب من ألوان الثياب وفاخرها وكتب إليها:

أنا في نعمة بقربك تفديك حياتي من مفظعات الأمور
بلغت مهجتي بقربك منّيأملي كلّه وتمّ سروري
[ص] وصل اللّه ذاك ما عشنا وأبقاك لي بقاء الدّهور

وحدثني عرفة قال: لما قدم المعتضد من حرب وصيف دخلت عليه بدعة فقالت: يا مولاي شيّبتك واللّه هذه السفرة، فقال: دون ما كنت فيه يشيب، فقالت:

إن تك شبت يا مليك البرايالأمور عانيتها وخطوب
فلقد زادك المشيب جمالافالمشيب البادي كمال الأديب
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
فابق أضعاف ما مضى لك في عزز وملك وخفض عيش رطيب
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة

فطرب المعتضد لها وخلع عليها، وقال لها يوما: يا بدعة أما ترين الشيب

كيف اشتعل في لحيتي ورأسي؟ فقالت: يا سيدي عمرك الله حتى ترى أولادك وقد شابوا، فأنت والله في الشيب أحسن من القمر، وفكرت طويلا ثم قالت هذه الأبيات، وغنت بها:

ما ضرّك الشّيب شيئابل زدت فيه جمالا
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
قد هذّبتك اللياليوزدت فيه كمالا
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
فعش لنا في سروروأنعم بعيشك بالا
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
تزيد في كلّ يوموليلة إقبالا
للشاعر بدعة جارية عريب، اقرأ القصيدة
في نعمة وسرورودولة تتعالى

فوصلها بصلة سنية، من ثياب ومال وطيب كثير

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.