تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محبوبة جارية المتوكل

وكانت ضرة الشمس، ومسرة النفس، قيد كل ناظر، وأمنية كل خاطر، لو حدرت في الليل قناعها لابيضت غرابيبه، واتّقدت بطلائع الصباح جلابيبه، أحسن من الريم سالفة وحدقا، وأكثر من الأغصان أعطافا ومعتنقا، هذا إلى صفاء فيه لا تناول، وصفاء لا يقاس به الشمول، وإجادة في الشعر لا يعرف لذات خمار، ولا يعد للأخيلية معها إلا ما يحكى في أكاذيب الأسمار، تنحطّ عنها رتبة عليّة أخت إبراهيم، وترد عنان وقد أصبحت حدائقها كالصريم.

قال أبو الفرج في كتاب الإماء: كانت مولدة شاعرة مغنية متقدمة في الحالين على طبقتها، وكانت حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر للمتوكل في جملة أربع مئة فيهن قيان وسواذج، فتقدمتهن جميعا عنده،

ولما قتل صارت إلى وصيف، فلزمت النسك حزنا ووفاء للمتوكل، حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعطاه إيّاها فأعتقها [ص]، وقال:

أقيمي حيث شئت، فانحدرت عن سر من رأى إلى بغداد وأخملت نفسها إلى أن ماتت.

قال: وحدثني جعفر بن قدامة عن عليّ بن الجهم قال: كنت يوما بحضرة المتوكل وهو يشرب ونحن بين يديه، إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة بغالية، فقبلتها وانصرفت عن حضرته إلى مجلسها، ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة، فدفعتها إلى المتوكل، فقرأها وضحك ضحكا شديدا، ثم رمى بالرقعة إلينا، فإذا فيها:

يا طيب تفّاحة خلوت بهاتشعل نار الهوى على كبدي
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
أبكي إليها وأشتكي دنفيوما ألاقي من شدّة الكمد
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
لو أنّ تفاحة بكت لبكتمن رحمة هذه التي بيدي
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
إن كنت لا تعلمين ما لقيتنفسي فمصداق ذاك في جسدي
وان تأمّلته علمت بأنليس لخلق عليه من جلد

قال: فما [بقي] أحد والله إلا استظرفها واستملح الأبيات، وتقدم المتوكل إلى عريب وشارية أن يصنعا في الأبيات لحنا، فصنعتا لحنين وغنتا بهما.

وحدثني جعفر بن قدامة قال، حدثني علي بن يحيى المنجم قال، قال المتوكل لابن الجهم وكان يأنس به ولا يكتمه شيئا: يا عليّ إني دخلت على قبيحة الساعة فوجدتها قد كتبت اسمي على بياض ذلك الخد، فقل في هذا شيئا، وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع فسبقت علينا على البديهة، وقالت:

وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرابنفسي مخطّ المسك من حيث أثرا
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
لئن كتبت في الخدّ سطرا بكفّهالقد كتبت بالقلب في الحبّ أسطرا
فيا من لمملوك لملك يمينهمطيع له فيما أسرّ وأظهرا
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
ويا من مناها في المنيّة جعفرسقى اللّه عهدا من ثناياك جعفرا

أنشدتها للمتوكل، فبقي علي بن الجهم واجمالا ينطق بحرف، وغنت عريب بهذه الأبيات.

وحدثني جعفر قال، حدثني علي بن يحيى [المنجم]: أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله، فصار لوصيف عدة فيهن محبوبة، فاصطبح وأمر بإحضار الجارية والجواري [ص] فأحضرن وعليهن أصناف الثياب والحلي متزينات متعطرات، سوى محبوبة، فإنها جاءت شعثاء متسلبة، عليها ثياب بيض، فغنين وطربن وشرب وصيف وطرب، ثم قال لمحبوبة: غني، فغنت على العود:

أيّ عيش يطيب ليلا أرى فيه جعفرا
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
ملكا قد رأته عيني صريعا معفّرا
كلّ من كان ذا سقام وحزن فقد برا
غير محبوبة التيلو ترى الموت يشترى
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
لاشترته بما حوتهـ جميعا لتقبرا

فاشتد ذلك على وصيف وهم بقتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعتقها وأطلقها حيث أحبت، فلم تزل متسلبة حتى ماتت.

وحدثني جعفر قال: قال علي بن يحيى بن الجهم قال: غاضب المتوكل محبوبة فاشتد عليه بعدها، ثم جئته يوما فحدثني أنه رأى في النوم أنها صالحته، ودعا له بخادم فقال له: اذهب فاعرف لي خبرها، فمضى وعاد فأعلمه أنها جالسة تغني، فقال: ما ترى إلى هذه؟ أنا غضبان عليها وهي تغني، ثم قال: قم معي حتى نسمع ما تغني به، فقمنا حتى انتهينا إلى حجرتها، فإذا هي تغني:

أدور في القصر لا أرى أحداأشكو إليه ما يكلّمني
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
حتّى كأنّي أتيت معصيةليست لها توبة تخلّصني
فهل لنا شافع إلى ملكقد زارني في الكرى فصالحني
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
حتى إذا ما الصباح لاح لناعاد إلى الهجر فصارمني
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

قال: وطرب المتوكل فأحسّت به، فخرجت إليه وخرجنا نتبادر، فأعلمته أنها رأته في النوم قد صالحها، وأنها صالحته في النوم، وقد صنعت تلك الأبيات وغنت

فيها، وحدّثها بما رأى، فتعجبا جميعا، واصطلحا، وأقاما يشربان يومهما.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.