من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الدهمان محمد بن علي بن عمر المازني
أبو الفضل شمس الدين ذو يد في الأدب غير قصيرة، وذهن لا يتمثل شيئا إلا أحسن تصويره، لو صور نفسه لم يزدها، ولو بدّلت بالكواكب صنعته لم يردها، أجاد في صنعته، وواسى بفهمه أباريده (؟)، وأتى بكل بديع الصنعة لا يدني تدبيجها للغمام، بعيد السمعة والذي صوره أقرب شيء إلى الأفهام، صنائع فكر ويد جاء فيها بألوان ما يسر الناظر، ويسير الديوان فما أبقى من محاسن أدب ودهان، وأمسك منها قلم الشعر، والشعر لأنه حاز قصب الرهان، وغادر من أثريه خط ناظر امرئ وسمعيه، نشر منها قطع الرياض، ونطف الغدر الا أن ذهب الأصيل، طفح على إنائها الفضي من جوانبه وفاض، وعلى ما كان يعاني من عبء هاتين الصنعتين، فعززهما بثالث، بصوت مثان ومثالث، له
في كل واحدة من هذه الثلاثة معان لا تتناهى، وصور قبل إبرازها إلى الخارج لا يتصوّرها أحد ولا يعرف معناها، في أي صورة ما شاء ركّبها، وفي أي مذهب أراد أذهبها، وكان فريدا في توقيع الألحان، وتنوع الشكر بما يعقّ من تمام الفدام عن بنت ألحان، وكان له بالربوة من وادي دمشق دار نقشها زمانا، وأخرج فيها جهد صناعة الثلث فكتب عليها شعره وذهّبها، ثم كان يغنيها ألحانا، وكان يؤخذ عنه علم الطرب، وكان علما فيه واحدا، ومحركا لا يدع في السماع القائم قاعدا.
ومن شعره الذي صاغه شعرا وألحانا، وجمع فيه محاسن الدهر زمانا زمانا، وأتقن تراكيبه كأنما أضرمه إذهابا وأتقنه دهانا، قوله:
إنّ فصل الرّبيع أطيب فصلطالع وجهه بكلّ سعاده
[ص]
طاب في فصل صحة فلهذاكلّ يوم جماله في زياده
تبرز الأرض منه في سندسالوشي حاكت سحابه أبراده
لم يزل ورده يغازل للمنثور حتّى شقّ الشّقيق فؤاده
وقوله:
يهيج شوقي إليه كلّما صدحتتدعو هديلا مع الأصباح في فنن
حمامة وجدت وجدي فلي ولهاقلبان شدّا مع الأشواق في قرن
قامت تنوح على ساق وقمت علىساق أنوح فأشجتني ولم تعن
والشعر له، وكذلك الغناء له، وله صوت مشهور لم يبق في زمانه من لم يقر له فيه إحسانه، وهو
هل حيها على الغوير واجدأم أقفرت من زينب المعاهد
خفيت حتّى من سقامي والضّنىلولا أنيني ما رآني العائد
حتى رثت لي رحمة حواسدييا ويح من ترثي له الحواسد
يا كعبة الحسن التي أجّجهافؤاد مضناك عليك واقد
كم سقت في الهوى إليكم مقلتيوالحرّ من يحفظ من يعاهد
والشعر لغيره، والغناء فيه له.
وبتنا ليلة في داره بالربوة وواديها يصفح، وناديها بنشر البنفسج ينفح، والليل قد رق جلبابه، وعلق في جوه ربابه، وهو تارة يحيينا من أناشيده، وتارة يطوينا طائره المترنم بتغريده، حتى حان الصباح ونحن لا نظن أن الليل قد نصّف، ولا أن فرع الجوزاء قد تهدل أو تقصف، ثم التفت فإذا الصباح قد أشرق، وجمر الفجر قد شب إلا أنه ما أحرق، وتلفت يرى بكاء الطلّ في عيون النرجس ما رقا، والبرق بإزاء الليل الكافر مارقا، وجبين الصبح يرشح ماؤه، وجبين الفجر سقطا ينضح الشفق دماءه، فاندفع يغني:
ألا حبّذا الوادي وروض البنفسجوطيب شذا من عرفه المتأرّج
[ص]
وأغصان بان في حفافيه ميّدبكلّ قديم القدّ غير معوّج
وأنهار ماء في صفاء ورقّةيسيل به ما بين روض مدبّج
كذوب لجين او كمتن مهنّديمرّ مرور الزئبق المترجرج
إذا قابلته الشمس أبصرت مذهبامن الوشي يبدو ببريق وزبرج
وإن جعّدته خطرة من نسيمةفيا حسن مرأى متنه المتموّج
جنان إذا ريح الصّبا نفحت بهافبعدا لأطلال الرّبا بمنعج
وكان له مملوك أفرط في حبه، وأخذ بمجامع قلبه، فغاله منه حادث الموت، فحزن عليه حزنا ذبّ عن جفنه الغرار، وأحرم قلبه الفرار، فأتى صاحبنا الخطيب الصوفي وكان بينهما صداقة أكيدة، ومزاح فكه، ثم أنشد لنفسه كأنه يعزيه، وإنما قصده أنه يخزيه:
لئن مات يا دهّان مملوكك الذيبلغت به في النّفس ما كنت ترتجي
فمثّله بالأصباغ شكلا وصورةوقدّا وردفا واترك الحزن واصلج
فقام الدهان بأقبح خزية وأضرها، وأعظم كآبة وأشهرها، ثم قاطعه مدة فلم يكلمه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع