من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الكمال التوريزي
سقطت لنا أخباره سقوط الندى، وبدت لنا بدو البدور على بعد المدى، كان إذا غنى تزلزل زلزل، ونسي جميل جميل وما يتغزل، ونزل صوت في بيت عاتكة الذي يتعزل، ولم يرض له معبدا عبدا، ولا ابن جامع الذي تضوّع ندّه
ندّا، ولا إسحاق إلا الذبيح، ولا ابن المهدي إلا المخلوع الطريح، وكان فرد زمانه في كرم السجايا وحسن الأخلاق، وسعة النفس، قالوا: [كان] طيب المجالسة لا يملّ حديثه، مكثرا من الأخبار والحكايات والنوادر، عارفا بأخبار ملوك بيت جنكيز خان، وخصوصا أولاد هولاكو بن تولي، وأحوال الوزراء والخواجكية، وله مشاركة جيدة في العلوم العقلية، ودربة بمخاطبة الملوك والأمراء والوزراء، والخواتين والخواجكية والكبراء متقنا للموسيقا علما وعملا [ص] مجيدا في صناعة الغناء، لا يجارى ولا يبارى، ولا يطمع في مضاهاته ولا مداناته، اتصل بالسلطان أبي سعيد، وكان محبا للغناء والمغاني، فلما اتصل به الكمال، اقتصر عليه، واختص به، وجعل كل أهل هذه الصناعة، وسائر الجلساء والندماء دونه، وكان يشاربه ويحضر معه في أخص خلواته، ولا يكاد يصبر عنه ساعة في سائر أوقاته.
وحكى لي خواجا إسماعيل السامي: أن أبا سعيد كان مغرى بطول المكث في الحمام والشرب فيه، وجعل له حماما جعل جدره من الزاج، وكان يدخل إليه ومعه أمراؤه ببغداد ومشافر وكان كلفا به والكمال التوريزي، ويجلس الجلساء والندماء خارج الحمام، والسقاة تسقي، فإذا وصل الدور إلى الجالسين خارج الحمام أخرج إليهم من كوى بينهم، والمغاني تغني بالنوبة خارج الحمام، فإذا انتهت النوبة إلى الكمال غنى داخل الحمام وربما غنى
أبو سعيد والكمال لا يغني، وربما غنيا معا، وذكر أنه استفاد بأبي وبالأمراء والوزراء وأرباب الدولة وسائر الناس لأجله أموالا جمة جليلة، لا تكاد تحصر، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقا، فعلمه قدر ما احتمله فهمه، ثم ازداد نهمته من هذا العلم، وأكثر ملازمة الكمال حتى برع وصار غاية في ذلك، ورأسا من رؤوسه، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على الكمال، فتارة يصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت ندر وأجاد، وزاد وأحسن، وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظومة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يغنى به اليوم، ويسمى (البيشرون) وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر ويقبض على وسع عبارة فيسدّ بأنواع من الكلام الملفق الذي لا يحصر بوزن ولا قافية، قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد اللّه بن الصائغ الأموي المروي فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية، فإنها لا تنضبط ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت، قلت:
وهذا الغناء يستلذ في المشارب وحانات [ص] القصف، ولأهل مصر به ولوع وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إليّ من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري:
ما صدّ جفن العين عن إغماضهإلا بريق لاح في إيماضه
خفق الفؤاد بخفقة فغدا كماحكم الهوى وقفا على إمراضه
ما زال يغري مغرما لمعانهبالمنحنى وغياضه ورياضه
واها له من عارض تعريضهلي بالأحبّة كان في إعراضه
ومنها في شعر محمد ابن التلمساني هذا:
صدودك هل له أمد قريبووصلك هل يكون ولا رقيب
ملوك الحسن ما صنعي بطرفتمنى مثله الرشأ الربيب
رمى فأصاب قلبي باجتهادصدقتم كلّ مجتهد مصيب
وفي تلك الهوادج ظاعناتسرين وكلّ ذي وله حبيب
ومنها في شعره أيضا:
تحكّم إذا جاز الجمال تحكّمافما لمحبّ منك أن يتظلّما
حبيبي إن حرمت سهما في الكرىفقد حللت عيناك في القلب اسهما
فداك صبّ فيك أسكنه الهوىوإن كان من سيف الصدود تكلّما
وما كان يدري حفظ عهد لغادرفما زال يهوى الحسن حتّى تعلّما
ومنها في شعر مجهول:
برح السّقم بي فليس صحيحامن رأت عينه عيونا مراضا
إنّ للأعين المراض سهاماصيّرت أنفس الورى أغراضا
قلت: وقد كان سلطاننا حرص على إشخاصه إليه، وطلبه طلب متهافت عليه، فعزم على قصده، وقدمت مسيره للسير، فصده عنها قرارة لحده.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع