تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الخروف

من ندماء الملك المنصور صاحب جماعة ومغانيه، واهل الحظوة الذي لم يكن فيها أحد يدانيه، والنجب الذي أدناه من صاحب البخت لبلوغ أمانيه، وكان من نجوم مجلسه الطالعة، وغصون حضرته اليانعة، وجلساء مدامه وأخصاء ندامه، وكان سري الخلائق يدمث عطف النسيم، ويبعث النشوة في شمائل النديم، أصله من مدينة درع، وقدم دمشق وبرع، وعدّى المنتهين في الغناء من أول شرع، وكان جلاء البصر، وسراج هم الخاطر إذا انحصر، خدم البيت الأيوبي واقتاد بهم الخط الأبي، ومن أصواته: [ص]

إن غاض دمعك والركاب تساقمع ما بقلبك فهو منك نفاق
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة
لا تحبسن ماء الجفون فإنّهلك يا لديغ هواهم درياق
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة
واحذر مصاحبة العذول فإنّهمغر وظاهر عذله إشفاق
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة
لا يبعدن زمن مضت أيّامهوعلى متون غصونها أوراق
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة
أيام نرجسنا العيون ووردناغضّ الخدود وخمرنا الأرياق
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة
فلئن بكت عيني دما شوقا إلىذاك الزمان فمثله يشتاق
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة

والشعر للشريف البياضي.

وحكى لي أبو جعفر بن غانم أنه حضر مجلس صاحب حماة، وهو مخيم ببارين في زمن الربيع وقد أطلع بدائع النور وتجلى بسوابغ الأنهار، والروض قد فك عنه حجز الغمام، والنسيم قد مشى في جوانبه مسبل الأكمام، وأمر بالمغاني فأحضروا وفيهم الخروف ووجهه باسر يلوح يكلح، ولبه ذاهب كأنه ما جاء ليغني وإنما قد قدم ليذبح، فقال له: ما هذا الذي أراه بك؟ أهذا لمفارقة حماة أم لشيء لدينا تتحاماه؟ أما تنظر إلى فسيح هذا الفضاء، وإلى هذا الجو وقد موّه بالفضة البيضاء؟ والخروف مطرق كأنه يرى السكين في يد الذابح، والنار تشب في زناد القادح، لهوى كان عقده بحماة جديدا، وفارقه وإن لم تكن النوى رمت به مكانا بعيدا، ثم لم يطل به السكوت، ولم يتمادى لسانه في اعتقاد الصموت، حتى اندفع يغني صوتا عمله لوقته، ونطق به وخرج من عهدة صمته، وهو:

قسما بأيام التداني ولذة الوصال وإني في يميني صادق
ما سرّ قلبي مذ نأيت ولاحلالي العيش واللذات منّي طالق
وأنّي أرى هنا الفضاء الذي أرىفسيحا علينا بعدكم متضايق
وما سرّ قلبي الروض يزهر حسنهوأني كفيتم عاشق ومفارق

فطرب صاحب حماة حتى مال، وسأله أن يطلعه على حقيقة ما قال، فقص عليه [ص] خبره مع شجنة وما جلبه فراقها عليه من حزن، وسأله:

الشعر؟ فقال: واللّه لا أعرف، ولكنه شيء أحفظه، فلما عاينت من ذكرك الموت جاء على خاطري، فصنعت فيه هذا الصوت، فقال: واللّه حسن جميل ما صنعت وإن مساعدتك لتعين، ثم أصبح فقوض خيامه عائدا، ثم دام له على هواه مساعدا، ثم أمر له بصلة سنية وزاد في راتبه.

وحكي أن صاحب حماة جلس ليلة على نهر العاصي، والقمر مبدر، والليل قد أصحر أسده المخدر، والمجرة قد كاثرت المجلس بأكوابها، والظلماء قد لعبت أشعة البدر بأثوابها، والصهباء قد ذهّبت شبح الظلام، والأبارق قد شبت شعل ذلك الضرام، فاستدعى في ذلك المجلس الأسنى، واقترح عليه صوتا فيه:

قم فانتصف من صروف الدهر والنّوبواجمع بكأسك [شمل] اللهو والطّرب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «قم فانتصف من صروف الدهر والنوب»
أما ترى الليل قد قامت عساكرهفي الشرق ينشر أعلاما من الذهب
والجوّ يختال في حجب ممسّكةكأنما البرق فيها قلب ذي رعب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «قم فانتصف من صروف الدهر والنوب»
فاخلع عذارك واشرب قهوة مزجتبقهوة الرفقة المعسولة الشّنب

والشعر للسري الرفاء.

ومن أصواته المشهورة:

ترى علمت وجدي بها ربّة الخالومن قلبها من شغل قلبي بها خالي
ومن أنا صبّ في هواها متيّموما كنت منها قطّ يوما على بال
تنوّرتها كالبدر أدنى مزارهافؤادي وما أدناه لي المنظر العالي

والشعر لشيخنا أبي الثناء محمود الحلبي:

ومن أصواته:

أقول وقد ناحت بقربي حمامةأيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوىولا خطرت منك الهموم ببالي
للشاعر عباس الأعسم، اقرأ القصيدة
أتحمل محزون الفؤاد قوادمعلى غصن نائي المسافة عال
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أقول وقد ناحت بقربي حمامة»
أيا جارتا ما أنصف الدهر بينناتعالي أقاسمك الهموم تعالي
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»
تعالي ترى روحا لديّ ضعيفةتردّد في جسم يعذّب بالي
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلةولكنّ دمعي في الشدائد غال
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»

[ص]

والشعر لأبي فراس بن حمدان.

وحكي أنه كان يوما بين يديه في خاصة من ندمائه، إذ أقبل غلام كالبدر في سمائه، قد شد وسطه ببند قطع بين خصره وردفه، ومنع بين الواصف ووصفه، وطرفه قد سجى، وغرته تحت طرته صبح في دجى، وعذاره في خده قد شق في الورد بنفسجا، فجاء حتى وقف بإزائه، والوجد به قد أضرم الجوانح، وهاج الولع بالظباء السوانح، فلم يبق إلا من أنشد شعرا نظمه واستشهد به، وذكر حسن ذلك الغزال السانح من سربه [و] الخروف مطرق في فكر، يسبح في لججه وذكر، لما ينطق به لسان حججه، حتى صاغ لحنا، واندفع فيه يغني:

قسما بطرّته وحسن عذارهوبما حواه الخصر من زنّاره
وبحسن وجنته وضوء جبينهوببدر تمّ لاح من أزراره
وبوعده وبصدّه وبغدرهوبقرب جفوته وبعد مزاره
لأخالفنّ عواذلي في حبّهمهما استطعت ولو صليت بناره

والشعر مجهول.

ومن أصواته التي اقترح عليه الغناء فيها:

أنصفته من مهجتي لو أنصفاووددت لو راعى ودادي أو وفى
وطمعت مغترّا بجوهر ثغرهفصفا وكدّر من حياتي ما صفا
خادعته بحديث لين قوامهفسطا وهزّ عليّ منه مثقفا
للشاعر جلال الدين ابن الصفار المارديني، اقرأ القصيدة
فذهبت من يده إلى أجفانهفرقا وسلّ عليّ منها مرهفا

والشعر للجلال ابن الصفّار المارديني، ومن هذه القطعة تلو الصوت:

كالبدر أعيت حسنه وهيبتهلي وجنتيه أن يكون مشنّفا
وكفته خمرة ريقه ورضابهفكفته أن يرد العقار القرقفا
أرأيت خدا لا يزيد تلهّبافيزيدني إلا عليه تلهّفا
أم هل سمعت بمن شكا حرق الهوىمثلي فداو النار بالنار اشتفى
رشأ رشيقا ظلّ يحذف خصرهردفا عتا فقضى له أن يضعفا
يا نسمة ضمنت تعطّف قدّههلا مررت بقدّه فتعطّفا
أحببته متجنبا ووددتهمتجنّيا وعشقته متعفّفا

[ص]

فاخترت للجسم الضّنى وجعلت للقلب الفنا ورضيت منه بالجفا

ومن أصواته المعروفة له:

من منصفي من هلال يخضع القمر الساري له وغزال يصرع الأسدا
لم لا يخاف العدا أسياف ناظرهوقد رأوا سالفيه ألبسا زردا
وكيف لا في الهوى ينحلّ عزمهموبنده فوق ذاك الخصر قد عقدا
يا من حكى الصّعدة السّمراء قامتهكم قد تنفّس فيك العاشق الصّعدا

والشعر لابن الدجاجية الدمشقي.

ومن أصواته:

أشذاكم عند الصباح يفوحأم نشر ليلى قد طوته الرّيح؟
ملنا فكلّ من تأرّج عرفهنشوان فوق مطيّة مطروح؟
فكأنّما دارت علينا في السّرىكأس على نغم الحداة طفوح
أنسيم ليلى هل مررت على الحمىليلا وليلى في الديار يروح؟

والشعر لبعض نصارى ماردين

ومن أصواته:

طللّ لعلوة دون سفح محجّرروّته ديمة كلّ غيث ممطر
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
وسرت عليه نسيمة معتلّةعن غير طيّب نشره لم ينشر
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
حتّى تسهّم برده بمقضّبومخضّب ومدرهم ومدنّر
ربع علقت به وغصن شبيبتينضر وفودي ليله لم يقمر
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة

والشعر للشهاب التلعفري.

ومن قطعة ألزم فيها عدم الإلف وتمامها:

للّه عصر شبيبة قضيتهفي جوّه برحيق صرف مسكر
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
مع كلّ معتدل بريح صعدةمن قدّه ويدير مقلة جؤذر
ورشيقة ممشوقة لو نصبتللبدر ليلة تمّه لم يسفر
خود تريك سقيم جفن لم يكنعن قتل صبّ مغرم مثلي بري
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
تحمي مقبّله بطرف سهمهيصمي به عن غير قوس مؤثر
يفترّ عن ثغر نضيد نورهحفّت حقيقته بسمطي جوهر

وانظر إلى هذه القطعة التي كأنها من قطع الروض [ص] المرقع في عنفوان زمن الربيع، وكيف جاءت مع هذا الالتزام خفيفة الموقع، قريبة من الخاطر، لا ترى الكلفة عليها ولا تتطرق للاستهجان.

وكذلك من أصواته في شعر ابن الحجاج، وحكي أن الملك المنصور صاحب حماة استصحبه معه إلى مصر في بعض سفراته إليها، فحضر يوما يغنيه، وقد حضر عنده أبو الحسين الجزار الشاعر، واندفع الخروف يغني صوتا أوله:

مريق دمي وسالب نوم عيني

وطفق يردده ويكرره، فقال له الجزار: لك الأمان يا شيخ أحمد، فضحك

صاحب حماة ومن حضر.

قلت: ولم يقع إليّ من هذا الصوت غير ما ذكرت.

حكي أنه كان مع صاحب حماة على مجلس الشراب وهم ببلاد بارين، والربيع قد سحب بردائه على الثرى، والسحاب قد أودع في ثغور الأقاح جوهرا، والنسيم قد هب من تحت أعكان الليل معنبرا، والروض قد أخذ زخرفه، والنور قد نظم أحرفه، والبدر قد طرح تاجه، وألبس الشمس شرفه، والراح قد راقت كأنها وجه حبيب، وطابت كأنها غفلة رقيب، والمدام قد أديرت في عسجدية، والكؤوس قد رقت في تلك الصفحة الندية، والسقاة كأنها أقمار توشحت الجوزاء مناديل، والأصداغ كأنها محاريب اشتعلت فيها الخدود قناديل، فاقترح عليه الغناء في شعر خمري يناسب ذلك المقام، ويحث به سوابق كبنت تلك المدام، فاندفع يغني:

والكأس تسلبني عقلي وأهون مالهوت عن ذكره عقلي إذا سلبا
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «والكأس تسلبني عقلي وأهون ما»
خمرا تمشّي بناني وهي فوق يديمنها بمثل شعاع الشمس مختضبا
شربتها غير مخمور ولو طلب الخمّار روحي بها أعطيت ما طلبا
وأربح الناس عندي في تجارتهمحصّل يشتري بالفضّة الذّهبا
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «والكأس تسلبني عقلي وأهون ما»

ومن أصوات الخروف:

إذا لم تكن تنهي إلى غيرك الشكوىفما ثمّ إلا الصّبر فيك على البلوى

[ص]

وإنّي وإن أتلفت بالهجر مهجتيلأرضى الذي ترضى وأهوى الذي تهوى
عرضت على روحي تلافي فما أبتوعرّضت روحي للسّلوّ فما السّلوى
ومن لم يجد بالروح في الحبّ لم تكنمحبّته إلا إذا حقّقت دعوى

والشعر لابن إسرائيل.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.