من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الحنفي
الفقيه العدل، الأديب، الشاعر. أبو عبد الله شمس الدين الخياط الدمشقي.
قادر أتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم تطعه إلاّ قسرا أنداد الفضائل، لا يجيء البحر له إلى كعب، ولا يحاول إلاّ النجوم، لا يعجزه مرامها الصّعب. وكان خصم نفسه في الأدب، يدرس فنونه النافعة، ويغرس أفنانه اليانعة. فاحتذى مفارق الرءوس وانتعل، وعرفت الرّجال بغيرهم وعرف بما فعل، سدّ الفجاج على المعائب، وعدّ صفو المزن رنقا بالشوائب. وله قصائد أدرك منها ما رامه ابن الروميّ في مطوّلاته، وتمّ لأبي تمام في تطوّلاته، وفات حوليّات زهير بن أبي سلمى، وخوليّات ابن العبد، وطرف طرفة أعمى، وما منها إلاّ ألحق بالسّبع
الطّوال، وحاربت في جوّ النّسور العوال، فكأنها كانت لتلك القصائد كامنة، لتلك السبع المعلّقات ثامنة، بل ما أتت بعد تلك السبع الشّداد، إلاّ كالعام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، ومنه يجنون ويهصرون. وله قطع تقطع كلّ أجدع، وتقرّع كلّ حميّ أنفه لا يجدع. فيومه يومان، وطعمه طعمان، بكلّ كلمة هي إبر النّحل أو مشاره، وفخر الدهر أو عاره، تلعّبا بالكلام كيف شاء صرفه، ومن شاء وضعه به أو شرّفه، فطالما أوقد حائن وهدف عرّضه لرميه فدفع بيديه حدّ المدى، ووضع إصبعيه في فم الرّدى، على أنّه خير أخ في الشدائد، وأعظم مقاوم لسمّ الليالي الأساود، وكلمه لا يغشى بوارقها بالسّحب، ولا ثلاث رودها إلاّ بالرّماح منصلة بالشّهب. ومن شعره المحرّك للأطراب، المبيّض لقادمة الليل والفجر في آخره كما شاب جناح الغراب، قوله:
كم نلت في الأسفار من شدّةلم تحص في عدّ ولم تحصر
فهذه عين وذا محجروالموت بين العين والمحجر
ومنه قوله:
ديار مصر جنّة فتّحتأبوابها في الحسن للمبصر
وغير بدع أنّها جنّةونيلها جار من الكوثر
ومنه قوله:
شكت زوجة القاضي من الطّلق شدّةفنال الإمام الهمّ وهو همام
فقلت له صبرا جميلا فربّمايكون مع الطّلق الشديد غلام
ومنه قوله:
وما طلبي الشهادة خوف نقصعلى مالي ولا طمع الزّيادة
ولكنّي لإسلامي ودينيوتوحيدي حرصت على الشّهادة
ومنه قوله:
تهنّ فلان الدين شهرا مباركافصب لك فيه بالعلاء المكارم
وإن تك قد باشرت في يوم موسمفسائر أيام الكرام مواسم
ومنه قوله:
الحبس حبس النّفس عن قصدهاوإنّما نقمته نعمة
لا سيّما إن كان أعجوبةكثرة ناموس بلا حرمة
ومنه قوله:
مولاي سيف الدين يا من لهأصل زكيّ في انتساب الملوك
أسمعتني وعد ديوك وقدأكلت كفّي قبل أكل الديوك
ومنه قوله وقد ردّد مقصود المعنى وزاده:
كم ليلة بالبرد قضّيتهافي شدّة والعين لم تهجع
وليس لي أكل سوى راحتيوليس لي شرب سوى أدمعي
ومنه قوله:
حفيت من طول طوافي علىبشر لأحظى بالنّدى الوافي
فاعجب لعكس الحال ما بينناهذاك بشر وأنا الحافي
ومنه قوله:
إلى كم أمنّي النّفس في طلب الغنىأقول عسى ينزاح فقري وربّما
وما العار إلاّ أن أرى عاريا وماعليّ كما قالوا سوى مطر السّما
ومنه قوله:
عجبت من الزمان ومن بنيهورفضهم الأهاجي والمدائح
أروح على منازلهم وأغدووليس أشمّ للجدوى روائح
ومنه قوله:
يا سيّدي قد طال مكث قصيدتيوأعيذ سيّدنا من النّسيان
إن كان في يوم المعاد إجازةأمّلتها من كفّة الميزان
ومنه قوله
رقب الهلال الناس واجتهدوا فلمتره العيون وكفّها عنه العمى
لا غرو إن خفي الهلال عن الورىورآه في الأرض ابن ناطور السّما
ومنه قوله:
يقولون في سمّ الخياط قناعةفلا ترم شكر العيش في القنع بالدمّ
فقلت لهم إنّي أخاف من الرّدىولا آمل البقيا ورزقي من سمّ
ومنه قوله:
يا سيّدا لم يزل بحمديبين بني جنسه محلاّ
أسلفتني موعدا جميلافاسمح بإنجازه وإلاّ
ومنه قوله:
قالوا تردّد فبيت المال فيه غنىلكلّ مشتمل بالفقر محروم
فحين وافيته لم ألق فيه سوىمسوّدات لتأخير وتقديم
فيه صناديق أوراق بلا ورققد أوسقوها بتحديد المراسيم
قبض وصرف ومردود وفذلكةبلا حساب وتخريج لمعلوم
فاحذر إذا جزت بيت المال فهو بلالام وفيه مخاريم بلا ميم
ومنه قوله:
وقيّم مغرى بسفك الدّماكلّ سليم بيديه سليم
صعقت خوفا منه لّما غدافي كفّه موسى ورأسي الكليم
ومنه قوله:
إن تهجروا الخياط عمدا فماله إلى غيركم هجرة
يقصّ أخباركم ناقلاحديثكم بالخيط والإبرة
ومنه قوله:
أرى المحبوب يفعل كلّ ذنبويغضب والهوى أمر عجيب
وأسأله الرّضى والذنب منهكأنّي من إساءته أتوب
ومنه قوله:
لم أنس والمحبوب في مجلسيكالبدر يسقيني كؤوس الرحيق
يجمع لي ضدّين من عارضله جديد ومدام عتيق
ومنه قوله:
عذار حبّي دقيق معنىتجلّ من حسنه الصفات
حلا لرائيه وهو نبتهذا هو السّكّر النبات
ومنه قوله:
خلّفت بالشام حبيبي وقديمّمت مصرا لغنى طارق
والأرض قد طالت فلا تبعديبالله يا مصر على عاشق
ومنه قوله:
صبرت على صروف الدهر حتّىرماني من هويت بسهم صدّ
وأسقمني بهجران طويلوقال دواؤه بالوصل عندي
ومنه قوله:
سار الحبيب بقلبي يوم ودّعنيولم يدع لي صبرا ساعة البين
وقال إن كنت مشتاقا إلى نظريأجر المدامع حمرا قلت: من عيني
ومنه قوله:
قلبي شكا حبّ خياط يمزّقهفكيف من قلق لي فيه تثبيت
قد كفّ عن غيري طرفه ونمنم ليخدا كأنّ عذارا فيه تنبيت
ومنه قوله:
لربوتنا واد حوى كلّ بهجةفعيش الورى يحلو لديه ويعذب
يروق لنا الأنهار تحت حنكهفلا عجب أنّا نخوض ونلعب
ومنه قوله:
ربّ علق عيوبهعدد الرّمل والحصا
يأخذ الأير ضاحكاثمّ يبكي على الخصا
ومنه قوله:
يا من على عينيه شعريّةقد أضرمت في القلب نار الغرام
يشبه بدرا طالعا نصفهونصفه الآخر تحت الغمام
ومنه قوله:
لا تحسبوا شطبا على خدّهقد لاح من فعل سيوف الجنون
وإنّما من رقّة خدّهقد أثّرت فيه لحاظ العيون
ومنه قوله:
قد طال فكري في القريض الذيمن نفعه لست على طائل
أقرّني زورا فصرت امرأصاحب ديوان بلا حاصل
ومنه قوله:
لي بأرض الشام شرّ مقاملا مكاني يرجّى ولا إمكاني
أسهر الليل في مكابدة الشّعر وأبكي النّهار للحرمان
ومنه قوله:
قل لمن حضّنى على الدين أقصرعن ملامي فليس لي تقصير
لا تسلني عن الصّلاة فبيتيمسجد غير أنّه مهجور
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع