تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

يحيى بن محمد بن زكريا، العامري

الخبّاز في التنّور. وهو شاعر عطّل الخبّاز البلديّ فنّه، وأنف أن يكون من الخبز أرزي خدنه، وسجر التنّور وأوقده ذهنه، بقريحة محصّلة لم تتّكل، على حاصل ابن القمّاح، ولا قنعت بمدّ ابن خضير الحوراني، لما تشكّله على الألواح. ما قدح خاطره المتوقّد إلاّ مثل هذا الفكر المسجور، ولا استمرئ فكره المتدفّق إلاّ قيل جاء أمر الله وفار التّنّور. تتحاشد عليه المسامع تحاشد الطّبون وتتحاسد تحاسد نظرائه في الزّبون. تدرك فطرته المعاني بخرصها، وتودّ الشمس لو جرّت ناره إلى قرصها. تودّ فحمة الليل لو أنّها في تنّوره أحرقت، وعنبرة الصّدغ لو استدارت بوجوه أرغفته التي أشرقت، بتصرّف لا تتلوّم به الأعذار، ومعنى يخرج من فكره وله الغداة نوار، إلى خطّ كأنّه رغيفه على الألواح له من الشّونيز عذار. فلو رآه ابن الروميّ لعدل عن مدح صانع

الرّقاق، وقطع له دونه بالاستحقاق، ولراسله ابن المعتزّ في تشبيهه السّوقي، وقدّمه على تشبيهه الملوكي، لبديهته التي في مثل اللمح بالبصر، وصناعته التي بينما هو متجمّع لها كأنّها كرة إذا بها قوراء كالقمر، وسرعته التي مقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء تلتقي فيه بالحجر.

ومن شعره قوله:

كأنّ هلال الصّبح والشهب حولهمليك عليه الخاصكيّة تحدق
ولفّ الثريّا قصة رفعت لهعليها لسان الصّبح بالبشر ينطق

وقوله:

زهر السّفر جل بالجميل رأيتهقد فاق زهر اللّوز في الأوصاف
هذا ينثّر للنّسيم دراهماونثار ذا بخفائف الأنصاف

وقوله:

ولم أنس زهر اللّوز عند عشيّةوقد ميّلت ريح الصّبا لين أعطافه
طربنا لتغريد الحمائم فوقهفنقّط وجه الأرض من جملة أنصافه

وقوله:

أين السيوف من العيون نسلّهاغلظا وإن كانت بصقل تلمع
إنّ السيوف قواطع بصقالهاإلاّ العيون إذا تصدّت تقطع

وقوله:

ولّما رأى حبّي سقامي يزيدنيفقال: إلى كم ذا المقال يزيد
فقلت: وهل لي صحّة وسلامةوجفناك مرضى إن ذا لبعيد

وقوله:

قلت لمن ينتف أصداغهلا يكره الريحان حول الشقيق
واعتق لشعر الذّقن من نتفهافالشيخ سنّيّ يحبّ العتيق

وقوله من قصيد:

والياسمين كأنّه من فضّةقد صيغ للنّدمان كالصّلبان
ولأجل ذا قد غرّد الشّحرور فيحلل السّواد كحلية الرّهبان

وقوله:

بادر إلى فرص اللّذّات في الغلسواجل المدامة تغنينا عن القبس
فمسكة الليل قد فتّت نوافجهاعلى الرياض فأهدت أطيب النّفس
ووجه روضك بسّام ونرجسهمحدّق الطّرف لا يخشى من النّعس
وإن رأيت النّدى في الأقحوان بدافنزّه الطّرف بين الثّغر واللّعس

وقوله:

لا تعجبوا لسرور من أحببتهودمي عليه في المحبّة يسفك
فدم الشقيق يسيل من وجناتهوبجنبه ثغر الأقاحي يضحك

وقوله في مثاقف:

لئن شبّهوا قدّه بالغصونأو الوجه بالبدر خافوا عليه
وأخطا المشبّه في حقّ منغدا الغصن والبدر في قبضتيه

وقوله:

تتيّمت زهر اللوز من أجل سبقهيخبّرنا إنّ الرّبيع لقادم
وأعجب ما عاينته منه أنّهيقطّع من أعضائه وهو باسم

وقوله في أقطع:

وبي أقطع ما زال يسخو بمالهومن قاصديه قطّ ما ردّ سائل
تناهت يداه فاستطال عطاؤهاوعند التّناهي يقصر المتطاول

وقوله مضمّنا:

أحبّ الجحر دون الكسّ قصداولا أبغي على ذاك ازديادا
ولي نفس تحلّ بي الرّوابيوتأنف أن يحلّ بي الوهادا

وقوله:

باكر عروس الرّوض واستجلهاوطلّق الحزن ثلاثا بتات
بقهوة حلّت لنا كلّماحلّت لآلي القطر جيد النبات

وقوله:

ومعقرب الأصداغ أسبل برقعافسبا لكلّ معقرب ومبرقع
قالت لواحظه لطالب قبلةفي خدّه لا تخش قلب البرقع

وقوله:

بعيشك هاتها صفراء صرفاصباحا واطّرح قول النّصوح
فهذي الشمس قد بزغت بعينتغامزنا على شرب الصّبوح

وقوله:

اشرب على الغيم الجديد عتيقاوانظر بكأسك لؤلؤا وعقيقا
واطف اللهيب بكأس راحك ساعةواحرق همومك بالرّحيق حريقا
والحق صبوحك بالغبوق لذاذةما العيش إلاّ صبحة وغبوقا
من كفّ ساق صاغه منشيه منلطف فلم تنظر لديه عقوقا
ساق أبعناه العقول بكأسهفأقام فينا للمسرّة سوقا
ثمل المعاطف قدّه من لينهرشق القلوب به فصار رشيقا
وشققت ثوب تصبّري من خدّهلّما له صار الشقيق شقيقا
شرقت لرؤيته العيون بدمعهاوجرت دما لما رأته شريقا
وبريقه زاد الحميّا رقّةوبشعره زاد البروق بريقا
خرست أساوره وأنّ وشاحهفتخاله قلبا عليه خفوقا
أرخى ذوائبه وقال أبينهمفرق فقلت له أراك دقيقا
يجفو الصّديق صديقه في مثلهولطالما هجر الصّديق صديقا
قد جاز في حدّ الملاحة مثلمافضل المؤيّد جاوز العيّوقا

ومنهم

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.