من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سليمان بن داود بن سليمان بن محمد بن عبد الحق، الحنفي، أبو الربيع، صدر الدين
من بيت فقه وقضاء، وعلم كأحسن وجوه الكواكب الوضاء. تفقّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويغلب على ظنّي أنّه لم يعلق في المدارس بوظيفة.
وجاس خلال البلاد، وجاز على ملوك المغل ثمّ عاد. ووصل مع رسل جاءت منهم مشاركا في الرّسالة، مشارا إليه بينهم بالجلالة. ما الأري المشار إلاّ مذاقه، ولا النّهار المنير إلاّ إشراقه، ولا سلاف العقار إلاّ ما أسمع، ولا البدور الكوامل إلاّ ما أطلع، ولا العراب الأتراب إلاّ ما أبدى من بنيّات فكره فجلا أو أكنّ فبرقع.
وهو في كلّ فنونه مبرّز، ولعيونه محرز. حاز البيان بحدّه، وملك منه ملكا سليمانيّا لا ينبغي لأحد من بعده، بقريحة عرفت بالسماح حتى لوم حاتم، وتصرّفت في ملك البيان تصرّف سليمان وقلمه الخاتم، لقدرة طبّ بها فخر
العقود، وتصرّف بها تصرّف سليمان بن داود. لم يبق عروض حتى زخر له بحره، ولا سرّ بلاغة حتى ضمّ عليه صدره، ولا تفنّن أهل غرب أو شرق حتى جمع، وتفنّن فيه حتى قصر دونه كلّ طمع، مما ينافس فيه البديع، ويجانس وشي صنعاء حسنه الصّنيع، وينشر ملاءات الحبر من فكره السحابيّ أبو الربيع، مما تقذف به السّفن والرّكاب، وتجري الريح بأمره مسخّرة حيث أصاب، لمحاسن أبعد فيها وأبدع، وظلّ بها كلّ من حضر مجلسه السّليمانيّ وكأنه الهدهد يسجد ويركع. هذا ونشره يلوح على الأسارير، وندى وجهه تخوضه العيون ثم تقول إنّه صرح ممرّد من قوارير.
ومن شعره الذي يروق، ودرّه الذي يفوق، قوله:
أروم وصاله فيصدّ قلبيبلحظ قد حمى رشف الثّنايا
فبين لحاظ عينيه وقلبيوبين الوصل معترك المنايا
وقوله:
ولما انقضى وقت توديعهاعشيّة بين وجدّ السّفر
وقفت بجسم يريها السّهاوسارت بوجه يريني القمر
وقوله:
حظّ عينيّ من الدّنيا القذىوفؤادي حظّه منها الأذى
ولكم حاولت فيها راحةما أراد الله إلاّ هكذا
وقوله:
لمّا بدا في خدّه عارضوشاق طرفي نبته الأخضر
أمطر أجفاني مستقبلافقلت هذا عارض ممطر
وقوله:
إن بدا لي وتبت عن شرب راحيودعاني إليه دفّ وعود
فأدر يا نديم كأس مداميوعليّ الضّمان أنّي أعود
وقوله:
عطشت في مجلس وفيهساق كريم يدير خمرا
سقيت لما عطشت كأسايا ليتني لو عطشت أخرى
وقوله:
تعشّقته ظبيا فنمّ عذارهفناديت يا قلبي خلصت من السّبي
فقال أتسلو عند نبت عذارهألم تدر أنّ المسك ينبت في الظّبي
وقوله:
من يكن أعمى أصمّايدخل الحان جهارا
يسمع الحان تتلىوترى النّاس سكارى
وقوله:
بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهىفأخفى عن المعشوق حالي وما يخفى
لقد كانت الأرداف بالأمس روضةمن الورد وهي اليوم موردة الحلفا
وقوله:
أهوى رشا غريرالم يبق فيّ بقيا
من مهجتي ودمعيرعيا له وسقيا
وقوله:
يا رسول الحبيب غث مستهامامغرما يعشق الغرام ديانه
حدّث الخائف الكئيب من الهجر فهو ممّن يرى الحديث أمانه
وقوله:
أناديك موسى إذ رأيتك وارداومقتبسا نارا وقد قيل لا ولا
أيا قابسا خذ من فؤادي جذوةويا واردا رد من دموعي منهلا
وقوله:
قل للذي حين رام رزقابكلّ مالا يليق لاذا
أقصر عناء ونم قريرافالرّزق يأتي بدون هذا
وقوله:
وقائلة يوم الوداع أرى دماتفيض به عيناك قلت لا أدري
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننايذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
وقوله:
وإلام أمنحك الوداد سجيّةوأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويلومني فيك العذول وليس ليدمع يعي، وإلى متى تبقى كذا
وقوله، مما كتبه إليّ:
نشأت شهاب الدين بالعلم والحجاوفقت الورى فضلا وعلما وسؤددا
شهاب العلا قد كان قبلك في العلاشهاب ومحمود وقد جئت أحمدا
وقوله:
ضيّعت أموالي في سائبيظهر لي بالودّ كالصّاحب
لّما انتهى مالي انتهى ودّهواضيعة الأموال في السّائب
وقوله:
يقول نديمي عن نصوح بكفّهلقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
فقلت هو المطبوخ من جسد لهاألم تره قد صار منها على الثّلث
وقوله:
أقول لثغري والحبيب رضابهمدامي، ونقلي لثم أيد وأرجل
أيا ثغر قبّل جيده وجبينهتنقّل فلذّات الهوى في التّنقّل
وقوله:
وساحر طرف عقرب فوق صدغهتدبّ إلى قلبي ولم أملك الدّفعا
وحيّة شعر خلفها نحو مهجتييخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
وقوله:
لما حكى برق النّقالمعان ثغرك إذ سرى
نقل الغمام إليك عندمعي الحديث كما جرى
وقوله:
قد كنت أحسب بعدكمحتى توخّيت السّرى
وظننت دمعي بعدكميجري دما وكذا جرى
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع