تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

خلافة المطيع لله الفضل ثالث عشري بني العباس

وبويع يوم الخميس ثاني عشري جمادى الآخرة من هذه السنة، وازداد أمر الخلافة إدبارا، ولم يبق لهم من الأمر شيء، وتسلم نواب معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق في يد الخليفة غير ما أقطعه معز الدولة مما لا يقوم ببعض حاجته.

وفيها، سار ناصر الدولة إلى بغداد وأرسل معز الدولة عسكرا لقتاله، فلم يقدروا على دفعه، وسار من سامراء عاشر رمضان إلى بغداد وأخذ معز الدولة المطيع معه وسار إلى تكريت فنهبها لأنها لناصر الدولة، وعاد معز الدولة بالخليفة إلى بغداد ونزل الجانب الغربي ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب تلك الأيام للمطيع ببغداد، وجرى بينهم ببغداد قتال كثير آخره أن ناصر الدولة وعسكره انهزموا واستولى معز الدولة على بغداد، وأعيد الخليفة إلى مكانه في المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة واستقر معز الدولة ببغداد وناصر الدولة بعكبرا، ثم سار ناصر الدولة إلى الموصل وجرى الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم من سنة خمس وثلاثين.

وفي هذه السنة، توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله صاحب المغرب لثلاث عشرة مضت من شوال وقام بالأمر بعده ابنه إسماعيل وتلقب بالمنصور بالله، وكتم موت القائم خوفا من أبي يزيد الخارجي، واستمر كتمان ذلك حتى فرغ المنصور من أبي يزيد على ما قدمنا ذكره ثم اتسم بالخلافة.

وفيها، مات الإخشيد محمد بن طغج بدمشق، وكان قد سار إليها من مصر، وكان مولده سنة ثمان وستين ومئتين ببغداد، وكان قبل مسيره من مصر قد وجد بداره رقعة فيها مكتوب:

«قدرتم فأسأتم، ثم ملكتم فبخلتم، ووسع عليكم فضيقتم، وأدرّت لكم الأرزاق فقنطتم أرزاق العباد واغتررتم بصفو أيامكم ولم تفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات واغتنام اللذات، وتهاونتم في سهام الأسحار وهن صائبات، ولا سيما إن خرجت من قلوب قرّحتموها، وأجساد أعريتموها، وأكباد أجعتموها، ولو تأملتم في هذا حق التأمل لا نتبهتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل ما وصل إليها الجاهل، ولو دامت لمن مضى ما نالها من بقي، فكفى بصحبة ملك يكون في زوال ملكه فرح العالم، ومن المحال أن يموت المنتظرون كلهم حتى لا يبقى منهم أحد ويبقى المنتظربه، افعلوا ما شتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، وثقوا بقدرتكم وسلطانكم فإنا بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل».

فبقي الإخشيد بعد سماع هذه الرقعة في فكر وسافر إلى دمشق ومات، وولّي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، وتفسيره: محمود، واستولى على الأمر كافور الخادم الأسود وهو من خدم الإخشيد، وكان أنوجور صغيرا وسافر كافور بعد موت الإخشيد إلى مصر، فسار سيف الدولة إلى دمشق وملكها وأقام بها،

واتفق أن سيف الدولة ركب يوما والشريف العقيقي معه، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد، فقال العقيقي: هي لأقوام كثير، فقال سيف الدولة: لو أخذتها القوانين السلطانية تبرأوا منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق ذلك، فكاتبوا كافور <اً> الإخشيدي بذلك، فجاءهم وأخرج سيف الدولة عنهم، ثم استقر سيف الدولة بحلب، ورجع كافور إلى مصر، وولى على دمشق بدر <اً> الإخشيدي، فأقام بها سنة، ثم وليها أبو المظفر بن طغج.

وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى وجد مع إنسان صبيّ قد شواه ليأكله، وكثر في الناس الموت.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.