تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة إلى خمسة وثلاثين وثلاث مئة

في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، سار ناصر الدولة عن بغداد إلى الموصل، وثارت الديلم ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط فثارت عليه الأتراك الذين معه وكبسوه في شعبان فهرب إلى أخيه ناصر الدولة ولحق به، ثم قدم سيف الدولة إلى بغداد وطلب من المتقي مالا ليفرقه في العسكر ويمنع تورون والأتراك من دخول بغداد فأنقد له المتقي أربع مئة ألف دينار ففرقها في أصحابه.

ولما وصل تورون إلى بغداد هرب سيف الدولة عنها، ودخل تورون بغداد في الخامس والعشرين من رمضان من هذه السنة فخلع المتقي عليه وجعله أمير الأمراء، وبقي المتقي خائفا منه، وتورون: بتاء مثناة من فوقها مضمومة وواو ساكنه وراء مهلة مضمومة وواو ثم نون.

وفيها، توفي نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مرضه السّل، فبقي مريضا ثلاثة عشر شهرا، وكانت ولايته ثلاثين سنة وشهرا، وعمره ثماني وثلاثين سنة، وكان حليما كريما، ولما مات ولي بعده ابنه نوح، وبايعه الناس وحلفوا له في شعبان، واستقر ملكه على خراسان وما وراء النهر.

وفيها، أرسل ملك الروم يطلب من المتقي منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه فصار صورة وجهه فيه، وأن هذا المنديل في بيعة الرّها، وأنه إن أرسله أطلق عددا كثيرا من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي القضاة والفقهاء واستفتاهم في ذلك فاختلفوا، فقال بعضهم: دفعه إليهم وإطلاق الأسارى أولى، وقال بعضهم: إن هذا المنديل لم يزل في بلاد الإسلام، ولم يطلبه ملك منهم ففي دفعه إليهم غضاضة، وكان في الجماعة علي بن عيسى الوزير فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة بدفعه إليهم، وأرسل من يتسلم الأسرى فأطلقوا.

وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة (¬*) سار المتقي عن بغداد خوفا من تورون، وابن شيرزاد إلى جهة الموصل، فلما وصل إلى تكريت خرج بنو حمدان إلى لقائه فساروا معه إلى الرّقة وأقاموا بها، ثم ظهر للخليفة تضجر بني حمدان منه وإيثارهم مفارقته، فكتب إلى تورون يسأله الصلح ليقدم بغداد.

وفيها خرجت طائفة من الروس في البحر وطلعوا منه في نهر الكر فانتهوا إلى

مدينة بردعة فاستولوا عليها وقتلوا ونهبوا، ثم عادوا في المراكب إلى بلادهم.

وفيها، مات أبو طاهر القرمطي بالجدري.

وفيها، كان ببغداد غلاء عظيم.

وفيها، استعمل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن علي بن مقاتل على قنسرين والعواصم، ثم استعمل بعده ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان.

وفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثة مئة (¬*)، كتب المتقي إلى الإخشيد صاحب مصر يشكو إليه حاله، فسار الإخشيد من مصر إلى الرّقة، واجتمع به وحمل إليه هدايا عظيمة، واجتهد به أن يسير معه إلى مصر ليكون بين يديه فلم يفعل.

ثم أشار عليه بالمقام في الرّقة وخوّفه من تورون فلم يفعل، وكان قد أرسل المتقي إلى تورون في الصلح كما ذكرنا، فحلف تورون للمتقي على ما أراده فانحدر المتقي لأربع خلون من المحرم إلى بغداد وعاد الإخشيد إلى مصر، ولما وصل المتقي إلى هيت أرسل يجدد اليمين على تورون فحلف، وسار تورون من بغداد لملتقى الخليفة فالتقاه بالسّندية، وقبل الأرض بين يديه، وضرب له [مضربا] فأنزله فيه، وضرب الدّبادب على باب المضرب، وسمل عين المتقي فأعماه، وانحدر به إلى بغداد وهو أعمى، وكانت خلافته ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما، وأمه اسمها خلوب.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.