من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر وفاة المهدي العلوي صاحب أفريقية وولاية ولده القائم أبي القاسم محمد
وفي هذه السنة في ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، توفي المهدي عبيد الله الفاطمي بالمهدية وأخفى ولده القائم موته سنة لتدبير ما كان له و [كان] عمر المهدي ثلاثا وستين سنة، وكانت ولايته أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما.
ولما أظهر ابنه القائم وفاته بايعه الناس بالخلافة.
وفي هذه السنة، قتل محمد بن علي الشلمغاني، وشلمغان: قرية بنواحي واسط، وأحدث مذهبا مداره على حلول الإلهية والتناسخ والتشيع، وقيل: إنه اتبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله وزير المقتدر، وأتبعه أبو جعفر وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وكان الشلمغاني، وأصحابه مستترين فظهر في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة فأمسكه ابن مقلة الوزير فأنكر الشلمغاني مذهبه وكان أصحابه يعتقدون فيه الإلهية، فأمسك وأحضر إلى الراضي، وأمسك معه ابن أبي عون وابن عبدوس فأمروهما بصفع الشلمغاني فامتنعا ثم صفعه ابن عبدوس، وأما ابن أبي عون فإنه مدّ يده ليصفعه فارتعدت يده، فقبل لحيته، وقال: إلهي وسيدي ورازقي، فقالوا للشلمغاني <أ> ما قلت إنك لم تدّع الإلهية؟ فقال: إني ما ادّعيتها قط، وما عليّ من قوله هذا، ثم أصرفا وأحضر الشلمغاني عدة مرار بحضرة الفقهاء، فأفتوا بإراقة دمه فصلب وابن أبي عون في ذي القعدة وأحرقا بالنار، فمن مذهبه أن الله يحلّ في كل شيء على قدر ما يحتمله ذلك الشيء،
وأن الله خلق الضد ليدل به على الضد فخلق آدم وإبليس وكلاهما ضد لصاحبه، ومن مذهبه أن الدليل على الحق أفضل من الحق، وأن الضد أقرب إلى الشيء من شبهه، وأن الله إذا دخل في جسد ناسوتي أظهر فيه من القدرة والمعجزة ما يدل على أنه هو، وأن الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه، ثم افترقت بعده ثم اجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة، ثم افترقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود، ثم افترقت بعدها، وكذلك القول في موسى وهارون وفرعون، ثم في سليمان وإبليسه، وعيسى وإبليسه، ثم تفرقت في الحواريين، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه، وأن من مذهبه أن من احتاج الناس إليه فهو إله، ومن مذهبه أن موسى ومحمدا [خائنان] [لأن هارون وعليّا] أرسلاهما فخاناهما، وأن عليا أمهل محمدا ﷺ عدة سني أصحاب الكهف وهي ثلاث مئة وخمسون سنة، فإذا انقضت انتقلت الشريعة، ومن مذهبه ترك الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات ويبيحون الفروج، وأن يجامع الإنسان من شاء [من] ذوي رحمه، وأنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، وأنه من امتنع من ذلك قلب في الدور الثاني امرأة لأن مذهبهم التناسخ.
وفيها، سار الدمستق إلى بلاد الإسلام ففتح ملطية بالأمان، وأخرج أهلها إلى مأمنهم وذلك مستهل جمادى الآخرة، وفعل الروم الأفعال القبيحة بالمسلمين
وصارت أكثر البلاد في أيديهم.
وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة (¬*)، قتل مرداويج بن زيار الديلمي، وسببه أنه لما كان ليلة الميلاد أمر أن تجمع الأحطاب وتلبس <بها> الجبال والتلال، وخرج إلى ظاهر أصفهان لأجل ذلك، جمع [ما يزيد على] ألفي طائر من الغربان ليعمل في أرجلها النفط ويشعله ليلة الميلاد، وأمر بعمل سماط عظيم فيه ألف فرس، وألفا رأس بقر ومن الغنم والحلوى شيء كثير، فلما استوى ذلك كله [ورآه] استحقره وغضب على أهل دولته، وكان كثير الإساءة إلى الأتراك الذين في خدمته، فلما انقضى السماط، وإيقاد النيران وأصبح ليدخل إلى أصفهان اجتمعت جنده للخدمة، وكثرت الخيل حول خيمته، وصار لها صهيل وغلبة حتى سمعها فاغتاظ، وقال: لمن هذه الخيل الغريبة، فقالوا: للأتراك، فأمر أن توضع سروجها على ظهورهم، وأن يدخلوا البلد كذلك ففعل بهم ذلك، فكان له منظر قبيح استقبحه الديلم والترك فازداد حنق الأتراك عليه، ودخل مرداويج إلى أصبهان وهو غضبان فأمر صاحب حرسه أن لا يتبعه ذلك اليوم، ودخل الحمام فانتهزت الأتراك الفرصة، ودخلوا عليه الحمام هجما فقتلوه.
وكان مرداويج قد تجبر وعتا وعمل لأصحابه كراسي فضة يجلسون عليها، وعمل لنفسه تاجا مرصعا على صفة تاج كسرى، وكان يروم أن يعيد ملك العراق إلى الفرس، وملك بعده أخوه وشمكير بن زيار.
وفي هذه السنة، عظم أمر الحنابلة على الناس، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، فإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا [مغنية ضربوها و] كسروا آلتها
وضربوا واعترضوا في البيع والشراء، و [في] مشي الرجال مع النساء والصبيان، فنهاهم صاحب الشرطة فلم يسمعوا، فخرج توقيع الخليفة ينهاهم فيه ويوبخهم ويقول فيه: أراكم تزعمون أن وجوهكم القبيحة [السمجة] على مثال رب العالمين، وهيئتكم كهيئته، وتذكرون له الشّعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، وعدد فيه قبائح مذهبهم، وفي آخره: إن أمير المؤمنين يقسم بالله قسما عظيما لئن لم تنتهوا ليستعملن السيوف في رقابكم والنار في منازلكم ومحالّكم.
وفي هذه السنة، تولى الإخشيد محمد بن طغج بن جف مصر من قبل الراضي، وكان الإخشيد قد تولى مدينة الرّملة سنة ست عشرة وثلاث مئة من جهة المقتدر، وأقام بها إلى سنة ثماني عشرة وثلاث مئة، فوردت تواقيع المقتدر له بدمشق، فسار إليها وتولاها، وكان حينئذ المتولي على مصر أحمد بن كيغلغ فلما تولى الراضي عزله وولى الإخشيد، وضم إليه الشام فسار الإخشيد من الشام إلى مصر واستقر بها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع