من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر ابتداء أمر مرداويج
كان قد استولى على جرجان أسفار بن شيرويه سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وكان من أصحابه قائد كبير يقال له مرداويج بن زيار من الديلم، فخرج على أسفار بعد أن تابع غالب عسكره في الباطن فهرب أسفار وطلبه مرداويج فأدركه وقتله، وابتدأ أمر مرداويج في ملك البلاد من هذه السنة، فملك قزوين والري وهمذان وكنكور والدّينور وبروجرد وقم وفاشان وأصفهان وجرباذقان، وعمل سريرا من ذهب يجلس عليه، ويقف عسكره صفوفا بالبعد عنه، ولا يخاطبه أحد إلا الحجّاب، ثم استولى مرداويج على طبرستان.
وفيها، وصل الدمستق في جيش كبير من الروم وحصر أخلاط فطلبوا الصلح فأجابهم على أن يقلع منبر الجامع ويعمل موضعه صليبا، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوا المنبر وجعلوا مكانه صليبا، ثم سار إلى بدليس ففعل ذلك، والدمستق:
اسم لنائب البلاد الشرقية من الخليج القسطنطيني.
وفي سنة سبع عشرة وثلاث مئة (¬*)، خلع المقتدر بالله من الخلافة بسبب استيلاء النساء [والخدم] على الأمور وكثرة ما أخذوا من الأموال والضياع، وانضم إلى ذلك وحشة مؤنس الخادم من المقتدر، واجتمعت العساكر إلى مؤنس، وقصدوا دار الخلافة، وأخرجوا المقتدر ووالدته وخالته وخواص جواريه وأولاده من دار الخلافة إلى دار مؤنس واعتقلوا بها، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد [وبايعوه] ولقبوه القاهر بالله بعد أن ألزموا المقتدر بالخلع، فأشهدوا عليه القاضي [أبا عمرو]. [بأنه خلع
نفسه] ونهبت دار الخلافة، وأخذوا من [قبر في تربة بنتها] أم المقتدر ست مئة ألف دينار.
فلما كان السبت سابع عشر المحرم ثالث يوم خلع المقتدر، بكّر الناس إلى دار الخلافة حتى امتلأت الرحاب لكونه يوم موكب، ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم، وحضر الرجالة المصافية بالسلاح يطالبون بحق البيعة وارتفعت زعقاتهم، فخرج ياروك التركي من عند القاهر ليطيب خاطرهم فرأى في أيديهم السيوف المسلولة فخافهم ورجع فتبعوه وقتلوه في دار الخلافة وصرخوا: مقتدر يا منصور، وهجموا على القاهر فهرب واختفى وتفرق عنه الناس ولم يبق بدار الخلافة أحد، ثم قصد الرجالة المصافية دار مؤنس المظفر وطلبوا المقتدر منه، فأخرجه وسلمه إليهم فحمله الرجالة على رقابهم وأدخلوه دار الخلافة، ثم أرسل المقتدر خلف أخيه القاهر بالأمان وأحضره وقال: قد علمت أنه لا ذنب لك فقبل القاهر يد أخيه، ثم حبس القاهر عند السيدة والدة المقتدر فأحسنت إليه ووسعت عليه، واستقر المقتدر في الخلافة، وسكنت الفتنة، وكان أشار مؤنس إعادة المقتدر إلى الخلافة وإنما فعله موافقة للعسكر.
وفيها، وافى أبو طاهر القرمطي مكة يوم التروية، وكان الحجاج قد وصلوا إلى مكة سالمين، فنهب القرمطي أموالهم وقتلهم حتى في المسجد الحرام وداخل الكعبة، وقلع الحجر الأسود من الركن ونقله إلى هجر. وقتل أمير مكة، وقلع باب البيت، وطلع أحدهم ليقلع ميزاب الكعبة، فسقط ومات، وأخذ كسوتها [فقسمها] بين أصحابه.
وفيها وقع بسبب تفسيره قوله تعالى ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً﴾
﴿مَحْمُوداً﴾ ببغداد فتنة عظيمة بين الحنابلة وغيرهم دخل فيها الجند والعامة واقتتلوا فقتل بينهم قتلى كثيرة، فقال أبو بكر المروزي وأصحابه من الحنابلة: إن تفسير ذلك أنّ الله تعالى يقعد النبي ﷺ معه على العرش، وقالت الطائفة الأخرى: إنما هي الشفاعة، فاقتتلوا بسبب ذلك.
وفي سنة ثماني عشرة وثلاث مئة (¬*)، أخرجت الرجالة المصافية من بغداد، فإنهم استطالوا بالكلام والفعل حين أعادوا المقتدر إلى الخلافة، فجرى بينهم وبين الجند وقعة هربت فيها الرجالة إلى واسط واستولوا عليها، فسار إليهم مؤنس المظفر وشرد منهم وقتلهم.
وفي سنة تسع عشرة وثلاث مئة (¬**)، أرسل المقتدر عسكرا لقتال مرداويج، فالتقوا بنواحي همذان، فانهزم عسكر الخليفة واستولى مرداويج على بلاد الجبل جميعها، وبلغت عساكره في النهب إلى نواحي حلوان. ثم ملك مرداويج أصبهان.
وفي ذي الحجة منها، تأكدت الوحشة بين مؤنس والمقتدر.
وفي سنة عشرين وثلاث مئة (¬***)، سار مؤنس إلى الموصل مغاضبا للمقتدر، واستولى المقتدر على إقطاعه وأملاكه وأملاك أصحابه، وكتب إلى بني حمدان أمراء الموصل بصد مؤنس عن الموصل، فجرى بينهم وبين مؤنس قتال انتصر فيه مؤنس واستولى على الموصل، واجتمعت عليه العساكر من كل جهة فأقام بالموصل تسعة أشهر، ولما اجتمعت العساكر عليه بالموصل سار بهم إلى بغداد
فوصل إلى باب الشّماسية، ولما رأى المقتدر ضعفه وانعزال العسكر عنه قصد الانحدار إلى واسط، ثم اتفق من بقي معه على قتال مؤنس فخرج المقتدر إلى قتال مؤنس وهو كاره، وبين يدي المقتدر الفقهاء والقراء ومعهم المصاحف منشورة وعليه البردة، فوقف على تل ثم ألح عليه أصحابه بالتقدم إلى القتال فتقدم وانهزمت أصحابه فلحقهم قوم من المغاربة فقال لهم: ويحكم أنا الخليفة، فقال له بعضهم قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة إبليس، وضربه بالسيف فسقط على الأرض وذبحوه، وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثة فرفعوا رأسه على خشبة وهم يكبّرون ويلعنونه، وأخذوا ما عليه حتى سراويله، ثم حفر له في موضعه، وعفي قبره، وحمل رأسه إلى مؤنس وهو بالراشدية لم يشهد الحرب، فلما رأى رأس المقتدر لطم وبكى.
وكان المقتدر قد أهمل أحوال الخلافة، وحكّم فيها النساء والخدم وفرّط في الأموال.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع