من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ثورة أبي يزيد الخارجي
>
وفيها اشتدت شوكة أبي يزيد الخارجي بالقيروان، وهزم الجيوش وهو من زناتة واسم [أبيه] كنداد من بلاد توزر من أعمال قسطيلية، فولد أبو يزيد بتوزر من جارية سوداء وانتشأ أبو يزيد في توزر، وتعلم القرآن، وسار إلى تاهرت وصار على مذهب النكارية، وهو تكفير أهل الملة واستباحة أموالهم ودمائهم، ودعا أهل تلك البلاد فأطاعوه فحضر قسطيلية في هذه السنة، وكان قصيرا قبيح الصورة يلبس جبة صوف [ثم فتح تبسة] ثم فتح سبيتة وقتل عاملها، ثم فتح الأريس، فأخرج القائم جيوشا لحفظ رقادة، ثم سار أبو يزيد إلى القائم فجهز إليه القائم جيوشا انهزمت بين يدي أبي يزيد، وسار أبو يزيد وحصر القائم في المهدية في جمادى الأولى من هذه السنة وضايقها وغلا بها السعر ودام محاصرها حتى خرجت هذه السنة، ثم رحل عن المهدية في صفر سنة أربع وثلاثين، وسار إلى القيروان وتوفي القائم وملك ابنه المنصور إسماعيل على ما نذكره فجهز المنصور عساكره وهو مقدمهم إلى القيروان واستعادها من أبي يزيد وذلك سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ودام حالهم على القتال إلى سنة خمس وثلاثين
وثلاث مئة، فأدرك أبا يزيد على مدينة كاغلية فهرب أبو يزيد إلى طنبة ثم هرب إلى جبل البربر، واسم ذلك الجبل برزال، والمنصور في أثره واشتد على عسكر المنصور الحال حتى بلغت العليقة الشعير دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا فرجع المنصور إلى بلاد صنهاجة، ووصل إلى قرية عمرة، واتصل هنالك بالمنصور العلوي الأمير زيري الصنهاجي وهو جد ملوك بني باديس على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فأكرمه المنصور، ومرض المنصور هناك مرضا شديدا ثم تعافى ورحل إلى المسيلة ثاني رجب سنة خمس وثلاثين، وكان قد اجتمع إلى أبي يزيد جمع من البربر وسبق المنصور إلى مسيلة، فلما وصلها هرب عنها أبو يزيد إلى جهة بلاد السودان، ثم صعد أبو يزيد إلى جبال كتامة، فسار المنصور عاشر شعبان إليه واقتتلوا فقتل غالب جماعة أبي يزيد وانهزم، فسار المنصور في أثره أول شهر رمضان واقتتلوا أيضا وانهزم أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي ممتنعة فحاصرها المنصور وداوم الزحف عليها، ثم ملكها المنصور عنوة، وهرب أبو يزيد من القلعة من مكان وعر فسقط وأخذ وحمل إلى المنصور فسجد شكرا لله تعالى، وكثر تكبير الناس وتهليلهم، وبقي أبو يزيد في الأسر مجروحا فمات في سلخ محرم سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، فسلخ جلده وحشي تبنا، وكتب المنصور إلى سائر البلاد بقتل أبي يزيد، وعاد إلى المهدية فدخلها في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وثلاث مئة.
وفيها، نقل المستكفي القاهر من دار الخلافة إلى دار أبي طاهر، وكان قد بلغ بالقاهر الضر والفقر إلى أن بقي ملتفا بجبة قطن وفي رجله قبقاب خشب.
وفيها، لما سار المتقي عن الرقة إلى بغداد وسار الإخشيد إلى مصر، سار سيف
الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب وبها يانس المؤنسي فأخذها منه واستولى عليها، وسار إلى حمص فاستولى عليها، وسار إلى دمشق وحصرها ثم رحل عنها، وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام بسبب قصد سيف الدولة دمشق، وسار إليه والتقيا بقنّسرين ولم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما رجع الإخشيد إلى دمشق عاد سيف الدولة إلى حلب فملكها، فلما ملكها سار ملك الروم حتى قارب حلب، فخرج إليه سيف الدولة وأوقع به وبأصحابه.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، في المحرم مات تورون ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، ولما مات عقد الأجناد لابن شيرزاد الإمرة عليهم، وكان بهيت، فحضر إلى بغداد في مستهل صفر وأرسل إلى المستكفي واستحلفه فحلف له بحضرة القضاة وولاه إمرة الأمراء، وكان مقر الدولة في الأهواز فلما مات تورون سار إلى بغداد، فلما قرب منها اختفى المكتفي وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وأياما، وقدم الحسن بن محمد المهلبي صاحب معز الدولة فلما قرب منها سارت الأتراك عنها إلى جبهة الموصل، فظهر المستكفي واجتمع بالمهلبي وأظهر السرور بقدوم معز الدولة وأعلمه أنه إنما استتر خوفا من الأتراك، فلما ساروا ظهر ثم [وصل] معز الدولة إلى بغداد ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة، واجتمع بالمستكفي وبايعه وحلف له المستكفي وخلع عليه ولقبه ذلك اليوم بمعز الدولة، وأمر أن تضرب ألقاب بني بويه على الدنانير والدراهم، ورتب معز الدولة للمستكفي كل يوم خمسة آلاف درهم يتسلمها كاتبه لنفقاته.
وفي هذه السنة خلع المستكفي لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصورة خلعه أن معز الدولة وعسكره حضروا إلى دار الخلافة بسبب وصول صاحب خراسان، وأجلس الخليفة معز الدولة على كرسي ثم حضر رجلان من نقباء الدّيلم وتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلها فجذباها عن سريره وجعلا عمامته في عنقه، ونهض معز الدولة واضطرب الناس وساقا المستكفي ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع