من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أخبار جزيرة صقلّية
>
في سنة ست وثلاثين وثلاث مئة (¬*) عقد المنصور العلوي ولاية جزيرة صقلية للحسن بن علي بن أبي الحسن الكلبي من «تاريخ جزيرة صقلّية» تأليف صاحب «تاريخ القيروان»، واستمر الحسن يغزو ويفتح في جزيرة صقلية حتى مات المنصور وتولى المعز فاستخلف الحسن على صقلية ولده أبا الحسين [أحمد بن الحسن] وكانت ولاية الحسن على صقلّية خمس سنين وشهرين، وسار الحسن عن صقلّية إلى أفريقية سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، ولما وصل الحسن إلى أفريقية كتب المعز بولاية ابنه أحمد بن الحسن على صقلّية فاستقر
أحمد واليا عليها.
[وفي] سنة سبع وأربعين وثلاث مئة، [قدم أحمد بن الحسن من صقلّية ومعه ثلاثون رجلا من وجوه الجزيرة على المعز بأفريقية فبايع المعز وخلع عليهم المعز ثم أعاده إلى مقره بصقلّية].
وفي سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة، ورد كتاب المعز على أحمد بصقلّية يأمره فيه بإحصاء أطفال الجزيرة وأن يختنهم ويكسوهم في اليوم الذي يختن [فيه] المعز ولده، فكتب أحمد خمسة آلاف طفل، وابتدأ أحمد فختن ولده وإخوته [في] مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ثم ختن الخاص والعام وخلع عليهم، ووصل من المعز مئة ألف درهم وخمسون حملا من الصلات ففرقت في المختونين.
وفي سنة اثنين وخمسين وثلاث مئة، أرسل أحمد بسبي طبرمين بعد فتحها إلى المعز وجملته ألف وسبع مئة ونيف وسبعون رأسا.
وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة، جهز المعز أسطولا عظيما فوصل إلى صقلّية واجتمعت الروم بها، وجرى قتال عظيم نصر الله فيه المسلمين وقتل من الكفار عشرة آلاف نفس، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم فكان في جملة ذلك سيف منقوش عليه: «هذا سيف هندي وزنه مئة وسبعون مثقالا طالما ضرب به بين يدي النبي ﷺ»، فوصل ذلك كله إلى المعز.
وفي آخر سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، استقدم المعز الأمير أحمد من صقلّية، وسار منها بأهله وماله وولده وكانت إمارته بها ست عشرة سنة وتسعة أشهر، ولما سار أحمد من جزيرة صقلّية استخلف عليها يعيش مولى أبيه الحسن
ابن علي، فلما وصل أحمد إلى أفريقية أرسل المعز إلى الجزيرة أبا القاسم علي بن الحسن أخا الأمير أحمد وولاه الجزيرة نيابة عن أخيه أحمد، فوصل أبو القاسم إلى صقلّية في نصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاث مئة.
وفيها، قدّم المعز الأمير أحمد على الأسطول، فأرسله إلى مصر فلما وصل إلى طرابلس مات بها سنة ستين، فأرسل المعز إلى أبي القاسم سجلا باستقلاله على صقلّية ويعزيه في أخيه أحمد.
وفي سنة ست وستين، غزا الأمير أبو القاسم [علي] وعدّى إلى الأرض الكبيرة، فرأى عسكره وقد أكثروا من البقر والغنم، فقال: قد أثقلتم، وهذا يعيقنا عن الغزو وأمر بذبحها وتفريقها فسميت [تلك] المرحلة مناخ البقر إلى الآن، فشنت غاراته في الأرض الكبيرة وأخرب فيها مدنا، ثم عاد إلى صقلية مؤيدا، واستمر أبو القاسم يغزو إلى سنة اثنتين وسبعين فجرى بينه وبين الإفرنج قتال، استشهد فيه، ولذلك يعرف بالشهيد، وكان مقتله في المحرم من السنة المذكورة، ومدة ولايته على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأياما. ولما استشهد تولى الأمر بعده ابنه جابر بغير ولاية من الخليفة، وكان سيئ التدبير.
وفي سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة، وصل إلى صقلّية جعفر بن محمد بن الحسن بن علي أميرا عليها من قبل العزيز خليفة مصر فاغتم جابر، وكان جعفر المذكو مواظبا للعزيز وقريبا إليه جدا، وكان للعزيز وزير يقال له ابن كلس
فغار من جعفر، فلما استشهد أبو القاسم أشار ابن كلس بتولية جعفر فأرسله العزيز إليها، فسار إلى صقلية وهو كاره لذلك، وبقي جعفر واليا على صقلية حتى مات سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، فولي أخوه عبد الله بن محمد، وبقي حتى توفي سنة تسع وسبعين وثلاث مئة، فولي بعده ولده أبو الفتوح يوسف ابن عبد الله، وأحسن يوسف السيرة، وبقي على ولايته، ومات العزيز خليفة مصر، وتولى الحاكم واستوزر ابن عم يوسف المذكور وهو حسن بن عمار بن علي وبقي حسن وزيرا بمصر وابن عمه أميرا بصقلّية.
وفي سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، أصاب أبا الفتوح فالج فعطب جانبه الأيسر، فتولى في حياته ولده جعفر، وأتاه سجل من الحاكم بالولاية، ولقبه تاج الدولة، فبقي مدة، ثم أحدث على أهل صقلّية مظالم فخرجوا عن طاعته وحصروه في القصر، فخرج إليهم والده يوسف وهو مفلوج في محفّة وردّ الناس وشرط لهم عزل جعفر فعزله وولى مكانه أخاه تأييد الدولة أحمد الأكحل بن يوسف، وانعزل جعفر، وتولى الأكحل في المحرم سنة عشر وأربع مئة، وبقي الأكحل حتى خرج عليه أهل صقلّية وقتلوه في سنة سبع وعشرين وأربع مئة.
ولما قتلوا الأكحل ولوا أخاه صمصام الدولة الحسن، فجرى في ولايته اختلاف بين أهل الجزيرة وتغلب الخوارج عليه حتى صارت للفرنج على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، ملك معز الدولة الموصل، وسار عنها ناصر الدولة إلى نصيبين، ثم جاءت الأخبار بحركة عسكر خراسان على بلاد معز الدولة فرحل عن الموصل وعاد إليها ناصر الدولة.
وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة (¬**)، مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بشيراز في جمادى الآخرة، وكانت علّته قرحة في كلاه طالت به ولم يكن له ولد ذكر، فلما أحس بالموت أرسل إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله عماد الدولة ولي عهده ووارث مملكته بفارس، وكان ذلك قبل موته بسنة، ووصل عضد الدولة إلى عمه عماد الدولة فولاه بفارس واختلف عليه عكسره، فسار أبوه ركن الدولة من الري إليه وقرر قواعد عضد الدولة، ولما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه عماد الدولة، بأصطخر فمشى إليه حافيا حاسرا ومعه العساكر على تلك الحال، ولزم القبر ثلاثة أيام حتى سأله القواد الرجوع إلى المدينة فرجع إليها، وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار ركن الدولة، وكان معز الدولة في العراق كالنائب عنهما.
وفيها، مات المستكفي المخلوع وهو في الحبس أعمى.
وفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة (¬***)، غزا سيف الدولة بلاد الروم فأوغل وغنم وقتل، فلما عاد أخذت الروم عليه المضائق فهلك غالب عسكره، ونجا سيف الدولة بنفسه في عدد يسير.
وفيها، مات وزير معز الدولة محمد الصّيمري، واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن المهلبي.
وفيها أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة وكانوا قد أخذوه سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وكان لبثه عندهم اثنتين وعشرين سنة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع