من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
مقتل أبي فراس الحمداني
>
وفيها، في ربيع الآخر قتل أبو فراس بن حمدان، وكان مقيما بحمص فجرى بينه وبين شريف بن سيف الدولة وحشة، فطلبه سعد الدولة فانحاز أبو فراس إلى صدد، فأرسل إليه عسكرا مع قرعويه القائد، فكبسوا أبا فراس في صدد وقتلوه، وكان [أبو] فراس خال سعد الدولة وابن عمه، واسم أبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، و [أبو] فراس أسر بمنبج كما ذكرناه، وحمل إلى قسطنطينة، وأقام في الأسر أربع سنين وله في الأسر أشعار كثيرة، وكانت منبج إقطاعه، وقال ابن خالويه:
لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص واتصل ذلك بسعد الدولة وقرعويه فأرسله إليه فقاتله في صدد، وقيل: بقي مجروحا ثم مات، وكان مولده سنة عشرين وثلاث مئة، وفي مقتله في صدد يقول بعضهم:
<المتقارب>
وعلمني الصدّ من بعدهعن النوم مصرعه في صدد
فسقيا لها إذ حوت شخصهوبعدا لها حيث فيها ابتعد
وفيها، مات المتقي إبراهيم بن المقتدر أعمى في داره مخلوعا ودفن بها.
وفي سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة (¬*)، جهز المعز لدين الله العلوي القائد أبا الحسين جوهر <اً> غلام والده المنصور، وجوهر رومي الجنس، فسار جوهر في جيشه إلى الديار المصرية، فاستولى عليها، وكان سببه أنه لما مات كافور الإخشيدي اختلفت الأهواء بمصر وتفرقت الآراء، فبلغ ذلك المعز فجهز العسكر إليها فهربت العساكر الإخشيدية من جوهر قبل وصوله، ووصل القائد جوهر إلى مصر سابع عشر شوال، وقيل: شعبان، وأقيمت للمعز الدعوة بالجامع العتيق، وكان الخطيب [أبو] محمد عبد الله بن الحسين السّمساطي، وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين قدم جوهر إلى جامع [ابن] طولون، وأمر فأذّن فيه ب «حيّ على خير العمل»، ثم أذّن بذلك في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة ب «بسم الله الرحمن الرحيم»، ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة، ولما استقر جوهر بمصر جهز عساكره إلى الشام مع جعفر بن فلاح فبلغ الرّمله وبها الحسن بن عبد الله بن طغج وجرى بينهم حروب ظفر فيها عسكر المعز وأسر ابن طغج وغيره من القواد، فجهزوا إلى جوهر ثم إلى المعز، واستولت عساكر المعز على تلك البلاد، ثم سار جعفر بن فلاح بالعساكر إلى طبرية فوجد أهلها قد أقاموا الدعوة للمعز، فسار عنها إلى دمشق فقاتل أهلها
فظفر بهم وملك دمشق وأقام الخطبة يوم الجمعة للمعز لأيام خلت من المحرم سنة تسع وخمسين، وقطعت الخطبة العباسية، وجرى في أثناء الخطبة فتنة بين أهل دمشق وجعفر بن فلاح، وجرى بينهم حروب وقطعوا الخطبة العلوية، ثم ظهر جعفر بن فلاح واستقرت دمشق للمعز العلوي.
وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان وأخوه أبو البركات وأختهما فاطمة أولاد ناصر الدولة من فاطمة بنت أحمد الكردية، وكانت مالكة أمر زوجها، فاتفقت مع ابنها [أبي] تغلب فضل الله الغضنفر وقبضوا ناصر الدولة كما ذكرناه، وكان لناصر الدولة ابن آخر اسمه حمدان، وكان ناصر الدولة أقطعه الرحبة وماردين وغيرهما، فلما قبض ناصر الدولة كاتب ابنه يستدعيه ليتقوى به على المذكورين، فظفر أولاده بالكتاب فخافوا أباهم وحذروه، وبلغ ذلك حمدان فعادى إخوته وكان أشجعهم، ولما خاف أبو تغلب من أبيه نقله إلى قلعة كواشي وحبسه بها وبقي ناصر الدولة محبوسا بها شهورا، ومات ناصر الدولة [الحسن] بن عبد الله بن حمدان بقلعة كواشي في ربيع الأول هذه السنة، ووقع بين حمدان بن ناصر الدولة وبين أخويه أبي تغلب وأبي البركات حروب قتل فيها أبو البركات، ثم قوي أبو تغلب على أخيه حمدان وطرده عن بلاده واستولى عليها، وكان يلقب أبو تغلب بن ناصر الدولة عدّة الدولة الغضنفر.
وفيها، دخل الروم إلى الشام، ولم يمنعوا، فسار ملكهم إلى طرابلس وفتح قلعة عرقة بالسيف، ثم قصد حمص وقد أخلاها أهلها فأحرقها ورجع إلى
الساحل، فأتى عليها نهبا وتخريبا وملك ثمانية عشر منبرا، وأقام في الشام شهرين، وعاد إلى بلاده ومعه من الأسرى والغنائم ما يفوق الحصر.
وفيها، استولى قرعويه غلام سيف الدولة على حلب وأخرج ابن أستاذه سعد الدولة أبا المعالي [شريفا]، فسار سعد الدولة إلى والدته بميّافارقين وأقام عندها، ثم جرى بينهما وحشة، فسار سعد الدولة إلى حماة وأقام بها.
وفيها طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلموا الأمر إليه فحبسوه، ثم أخرج ميتا في منتصف رمضان.
وفي سنة تسع وخمسين وثلاث مئة (¬*)، سارت الروم إلى الشام وفتحوا أنطاكية بالسيف وقتلوا أهلها وغنموا، ثم قصدوا حلب وبها قرعويه فتحصن قرعويه بالقلعة وملك الروم مدينة حلب، وحاصروا القلعة ثم اصطلحوا على مال يحمله قرعويه إلى ملك الروم كل سنة عن حلب وأعمالها، ودفع أهل حلب الرهائن بالمال إلى ملك الروم فرحلت الروم عن حلب وعادت المسلمون.
وفيها، أرسلت الروم جيشا إلى ملازكرد من أرمينية فحصروها وأخذوها عنوة بالسيف، وصارت البلاد جميعها لا يمنع الروم عنها مانع. وكان قد غلب على ملك الروم رجل ليس من بيت الملك اسمه نقفور، وخرج إلى بلاد
الإسلام وفتح من الشام وغيره ما ذكرنا، فعظمت هيبته، وكان قتل الملك الذي قبله وتزوج امرأته، ثم أراد أن يخصي أولادها الذين هم من بيت الملك ليقطع نسلهم ويبقى الملك في نسل نقفور فعظم ذلك على أمهم زوجة نقفور فاتفقت مع الدمستق على قتله، وأدخلت الدمستق مع جماعة في زيّ النساء إلى كنيسة متصلة بدار نفقور، فلما نام نقفور وغلّقت الأبواب قامت زوجته وفتحت الباب الذي من جهة الكنيسة، وأدخلت الدمستق على نقفور وهو نائم فقتله وأراح الله المسلمين من شره، وأقام الدمستق أحد أولادها الذين من بيت الملك.
وفيها، سار أبو تغلب إلى حران وحاصرها مدة وفتحها بالأمان واستعمل عليها البرقعيدي [وهو من أكابر أصحاب بني حمدان]، ثم عاد أبو تغلب إلى الموصل.
وفيها اصطلح قرعويه مع ابن أستاذه شريف وخطب له بحلب، وكان أبو المعالي حينئذ بحمص، وخطب بحمص وحلب للمعز العلوي، وخطب بمكة للمطيع وبالمدينة النبوية للمعز، وخطب أبو محمد الموسوي، والد <الشريف> الرضي خارج المدينة، للمطيع.
وفي سنة ستين وثلاث مئة (¬*) في ذي القعدة، وصلت القرامطة إلى دمشق وبلغ خبرهم جعفر بن فلاح نائب المعز فاستهان بهم، فكبسوه خارج دمشق وقتلوه، وملكوا دمشق وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرّملة فأمنوها وملكوها، واجتمع إليهم خلق من الإخشيدية فقصدوا مصر وجرى بينهم وبين جوهر قتال انتصروا فيه، ثم انتصر جوهر، فرحلت القرامطة إلى الشام مع كبيرهم الحسن بن أحمد بن بهرام.
وفيها استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم بن عبّاد.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع