تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ذكر استيلاء الفرنج على صقلّية

قد تقدم ذكر فتح صقلية وتوارد الولاة عليها من جهة بني الأغلب ثم من جهة الخلفاء العلويين، فلما كان سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة كان الأمير على صقلية أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن [الحسن] من جهة العزيز العلوي خليفة مصر، فأصاب يوسف المذكور فالج، وبطل جانبه الأيسر، فاستناب ابنه جعفر <اً> وبقي جعفر أميرا لصقلية إلى سنة عشر وأربع مئة، فثار به أهل صقلية وحصروه بقصره لسوء سيرته، وكان أبوه يوسف حينئذ مفلوجا فخرج إلى أهل صقلية فبكوا عليه وشكوا على ابنه جعفر وسألوه أن يولي عليهم ابنه أحمد الأكحل، ففعل يوسف ذلك وسير يوسف ابنه جعفر <اً> إلى مصر وسار هو بعده ومعهما أموال جزيلة، وكان ليوسف أربعة عشر ألف حجر سوى البغال وغيرها، واستقل الأكحل بصقلّية، وأحسن السيرة وبث السرايا في بلاد الكفار، وأطاعه جميع بلاد صقلية التي للمسلمين، ثم حصل بين الأكحل وبين أهل صقلية وحشة، فسار بعض أهلها إلى أفريقية إلى المعز بن باديس، فأرسل المعز جيشا مع ابنه عبد الله في سنة سبع وعشرين وأربع مئة فحصروا الأكحل في الخالصة، وقتل الأكحل في الحصار، ثم إن أهل صقلّية كرهوا عسكر المعز فقاتلوهم فانهزم عسكر المعز وقتل منهم ثماني مئة رجل ورحلوا في المركب إلى أفريقية، وولى أهل صقلّية عليهم أخا الأكحل واسمه الصمصام بن يوسف واضطربت أحوال أهل صقلّية عند ذلك، ثم أخرجوا الصمصام وانفرد كل إنسان ببلد، فانفرد القائد عبد الله بن منكوت

بمازر وطرابنش وغيرهما، وانفرد علي بن نعمة المعروف بابن الحواش بقصريانة وجرجنت وغيرهما، وانفرد ابن التمنة بمدينة [سرقوسة] وقطانية فوقع بينهم، واستنجد ابن التمنة بالفرنج الذين بمدينة مالطة واسم ملكهم رجّار وهون عليه أمر المسلمين، فسار الفرنج وابن التمنة إلى البلاد التي بأيدي المسلمين في سنة أربع وأربعين وأربع مئة، واستولوا على مواضع كثيرة من الجزيرة، وفارق الجزيرة حينئذ كثير من أهلها [من] العلماء والصالحين، وسار جماعة إلى المعز بن باديس إلى أفريقية، واستولى الفرنج على غالب بلاد صقلية وليس لهم مانع، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت فحصرهما الفرنج، وطال الحصار عليهما حتى أكل أهلها الميتة، فسلم أهل جرجنت أولا وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين ثم أذعنوا، وملك رجّار جميع الجزيرة في سنة أربع وثمانين وأربع مئة، ثم مات رجّار قبل سنة تسعين وتولى ولده وسلك طريقة ملوك المسلمين من الجنائب والحجاب والجاندارية، وأسكن في الجزيرة الفرنج مع المسلمين وأكرم المسلمين ومنع من التعدي عليهم.

<

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.