تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سنة إحدى وسبعين وأربع مئة إلى سنة ثمانين وأربع مئة

في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة (¬*)، ملك تاج الدولة تتش بن السلطان ألب

أرسلان دمشق، وسببه أن أخاه ملك شاه أقطعه الشام وما يفتحه، فسار تاج الدولة تتش إلى حلب، وكان قد أرسل أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر عسكرا لحصار آتسز بدمشق، فأرسل آتسز يستنجد بتتش وهو نازل بحلب يحاصرها، فصار تتش إلى دمشق، فلما قرب منها رحل عنها عسكر مصر فلما وصل إلى دمشق ركب آتسز لملتقاه بالقرب من دمشق، فنقم تتش عليه تأخيره عن الطلوع إلى لقائه، وقبض على آتسز وقتله، وملك تتش دمشق وأحسن السيرة.

وفي سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة (¬*)، غزا الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بلاد الهند، فأوغل [فيها] وفتح [وغنم] وعاد إلى غزنة سالما.

وفيها، سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران صاحب الموصل إلى حلب، فحصرها فسلم البلد إليه في سنة ثلاث وسبعين، وحصر القلعة واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، وتسلم القلعة.

وفيها، توفي نصر بن أحمد بن مروان صاحب ديار بكر، وملك بعده ابنه منصور، ودبر دولته ابن الأنباري.

وفي سنة خمس وسبعين وأربع مئة (¬**)، كانت فتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة.

وفيها، أرسل الخليفة المقتدي أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان ملك شاه وإلى نظام الملك، فسار من بغداد إلى خراسان ليشكو من عميد العراق أبي الفتح بن أبي الليث فأكرم ملك شاه ونظام الملك أبا إسحاق، وجرى بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مناظرة بين يدي نظام الملك، وعاد بالإجابة إلى ما التمسه الخليفة، ورفعت يد العميد عن جميع ما يتعلق بالخليفة.

وفي سنة سبع وسبعين وأربع مئة (¬*)، سار فخر الدولة بن جهير بعساكر ملك شاه لقتال شرف الدولة مسلم بن قريش، ثم سير السلطان إلى فخر الدولة جيشا آخر فيهم الأرتق بن أكسك جد الملوك الأرتقية، فانهزم شرف الدولة مسلم، وانحصر في آمد ونزل الأمير أرتق على آمد فحصره فبذل له مسلم مالا جليلا ليمكنه من الخروج من آمد، فأذن له أرتق، وخرج شرف الدولة من آمد في حادي عشري ربيع الأول من هذه السنة، فسار إلى الرّقة وجهز إلى أرتق ما وعد به، ثم سير السلطان عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير بعسكر ومعه آقسنقر قسيم الدولة إلى الموصل، فاستولى عليها عميد الدولة، وهذا آقسنقر هو والد عماد الدين زنكي، ثم أرسل [مؤيد الملك] بن نظام الملك إلى شرف الدولة [بالعهود يستدعيه] إلى السلطان، فقدم شرف الدولة إليه وأحضره عند السلطان ملك شاه بالبوازيج، وكان قد ذهبت أمواله فاقترض ما خدم به السلطان. وقدم إليه خيلا من جملتها الفرس الذي نجا عليه في المعركة، وكان اسم الفرس بشارا [وكان سابقا و] سابق السلطان به الخيل فسبقهم، فقام

السلطان قائما لما تداخله من العجب، ورضي عن مسلم، وأقره على بلاده.

وفيها، سار سليمان بن قطلومش السّلجوقي صاحب قونية وآقصرا وغيرهما من بلاد الروم إلى الشام فملك أنطاكية، وكانت أنطاكية بيد النصارى الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، فافتتحها سليمان هذه السنة، ولما ملك سليمان بن قطلومش، أنطاكية أرسل شرف الدولة صاحب الموصل وحلب يطلب منه ما كان يحمله [إليه] أهل أنطاكية فأنكر سليمان ذلك وقال: إن صاحب أنطاكية كان نصرانيا فكان يحمل إليك المال على سبيل الجزية فجمعا واقتتلا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربع مئة في طرف أعمال أنطاكية، فانهزم عسكر مسلم، وقتل مسلم في المعركة وقتل بين يديه أربع مئة غلام من أحداث حلب.

وكان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلّد بن المسيب أحول، واتسع ملكه حتى زاد على ملك من تقدمه من أهل بيته، فإنه ملك السّندية التي على نهر عيسى إلى منبج وديار ربيعة ومضر من الجزيرة وحلب، وما كان لأبيه وعمه قرواش من الموصل وغيرها، وكان مسلم يسوس مملكته سياسة حسنة بالأمر والعدل، ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم وهو محبوس فأخرجوه وملّكوه، وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث صار لم يقدر على المشي لما خرج.

وفيها، ولد لملك شاه ولد بسنجار وسماه أحمد، ثم غلب عليه اسم سنجر لكونه ولد بسنجار وهو السلطان سنجر.

وفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة (¬*)، ملك الفرنج مدينة طليطلة من الأندلس بعد أن حاصرها الأذفونش سبع سنين، وكان سبب ذلك تفرق ممالك الأندلس على ما تقدم ذكره سنة سبع وأربع مئة.

وفيها، استولى فخر الدولة بن جهير على آمد وميّافارقين وعلى جزيرة ابن عمر وهي بلاد بني مروان، وأخذها من منصور بن نصر بن محمد بن مروان، وهو آخر من ملك منهم، وانقرضت بأخذ الجزيرة منه مملكة بني مروان، فسبحان من لا يزول ملكه.

وفيها، سار أمير الجيوش بدر الجمالي بجيوش مصر وحصر دمشق وبها تاج الدولة تتش وضيق عليه، فلم يظفر بشيء فعاد إلى مصر.

وفي سنة تسع وسبعين وأربع مئة (¬**)، لما قتل سليمان بن قطلومش مسلم بن قريش في سنة سبع وسبعين أرسل سليمان <إلى> ابن الحتّيتي العباسي مقدم أهل حلب يطلب منه تسليم حلب، فاستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملك شاه، وأرسل ابن الحتّيتي يستدعي تاج الدولة تتش من دمشق، فسار تتش إلى حلب.

وكان مع تتش أرتق بن أكسك <و> قد فارق خدمة ملك شاه خوفا من

إطلاق مسلم بن قريش <من آمد> على ما قدمنا ما ذكره، وجرى الحرب بين تتش وابن عمه سليمان بن قطلومش، فانهزم عسكر سليمان، وقيل إن سليمان لما انهزم عسكره قتل نفسه، وكان سليمان قد أرسل جثة مسلم بن قريش ملفوفة في إزار إلى حلب في سادس صفر، فأرسل تتش جثة سليمان في هذه السنة سادس صفر ملفوفة في إزار إلى حلب، فأجابه ابن الحتّيتي بالمطاولة إلى أن يرد مرسوم ملك شاه في أمر حلب بما يراه، فحاصر تتش حلب وملكها فاستجار ابن الحتّيتي بالأمير أرتق بن أكسك فأجاره، وأما قلعة حلب فإنها كان بها منذ قتل مسلم بن قريش سالم بن مالك بن بدران وهو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش، فحاصر تتش القلعة سبعة عشر يوما، فبلغه وصول مقدمة أخيه السلطان ملك شاه، وكان ابن الحتّيتي قد كاتب السلطان في أمر حلب فسار إليها من أصفهان في جمادى الآخرة فملك في طريقه حران وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم، وسار إلى الرّها وهي بيد الروم من حين استردوها من ابن عطير فحصرها وملكها، وسار إلى قلعة جعبر واسمها الدوسرية ثم عرفت بقلعة جعبر لطول مدة ملك جعبر لها، وبها سابق الدين جعبر القشيري وهو شيخ أعمى وأمسكه وأمسك ولديه وكانا يقطعان الطريق، ثم سار إلى منبج فملكها، وسار إلى حلب فلما قاربها رحل عنها أخوه تتش على البرية، وتوجه إلى دمشق، ووصل السلطان إلى حلب وتسلمها وتسلم القلعة من سالم بن مالك بن بدران العقيلي على أن يعوضه بقلعة جعبر، وسلم إليه السلطان قلعة جعبر فبقيت بيده ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود على ما سنذكره.

ولما نزل السلطان ملك شاه بحلب أرسل إليه الأمير نصر بن منقذ الكناني صاحب شيزر ودخل في طاعته وسلم إليه اللاذقية وكفر طاب وفامية، فأجابه السلطان إلى المسالمة وترك قصده وأقر عليه شيزر، ولما ملك السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة أقسنقر، ثم ارتحل السلطان إلى بغداد على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

وفيها، في ربيع الأول، توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي ابن مزيد الأسدي صاحب الحلّة والنيل، وكان فاضلا له شعر جيد، واستقر مكانه ولده صدقة ولقب سيف الدولة.

<

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.