تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وفاة السلطان طغرلبك

>

وفي هذه السنة، أعني سنة خمس وخمسين وأربعمئة، قدم طغرلبك إلى بغداد، ودخل ثانية على الخليفة، وحصل من عسكره الأذية لأهل بغداد لإخراجهم من دورهم وفسقهم بنسائهم أخذا باليد.

وفيها، سار طغرلبك من بغداد في ربيع الأول إلى بلاد الجبل، ووصل إلى الري فمرض وتوفي يوم الجمعة ثامن رمضان وعمره سبعون سنة، وكان طغرلبك عقيما لم يرزق ولدا، واستقرت السلطنة بعده لابن أخيه ألب أرسلان بن جغروبك داود بن ميكائيل بن سلجوق.

وفيها، دخل الصليحي صاحب اليمن إلى مكة مالكا لها، فأحسن السيرة، وجلب إليها الأقوات.

وفيها، كان بالشام زلزلة عظيمة خرب فيها كثير من البلاد وانهدم سور طرابلس.

وفيها، ولّي أمير الجيوش بدر مدينة دمشق للمستنصر العلوي خليفة مصر، ثم ثارت الجند ففارقها.

وفي سنة ست وخمسين وأربع مئة (¬*)، قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر [محمد بن] منصور بن محمد الكندري وزير عمه طغرلبك بسبب سعي نظام الملك وزير ألب أرسلان به، فقبضه وحبسه في

مرو الروذ، فلما مضى على عميد الملك في الحبس سنة أرسل [ألب أرسلان] إليه غلامين ليقتلاه فودع أهله وخرق ثيابه وعصب عينيه وصلى ركعتين فقتلاه بالسيف وقطع رأسه وحملت جثته إلى كندر فدفن عند أبيه، وكان عمره نيفا وأربعين سنة، وكان عميد الملك خصيا لأن طغرلبك أرسله ليخطب له امرأة فتزوجها فخصاه طغرلبك لذلك، وكان عميد الملك كثير الوقيعة في الشافعي حتى خاطب طغرلبك في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان منهم أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني فخرجا من خراسان، وأقام أبو المعالي الجويني بمكة أربع سنين فلذلك لقب إمام الحرمين.

ومن العجب أن ذكر عميد الملك دفن بخوارزم لما خصي، ودمه سفح بمرو، وجسده دفن بكندر، ورأسه ما عدا قحفه دفن بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام الملك كان هناك.

وفيها، ملك ألب أرسلان قلعة ختلان، ثم سار إلى هراة فحاصر عمه يبغو ابن ميكائيل وملكها، وأخرج عمه وأحسن إليه وأكرمه، ثم سار إلى صغانيان فملكها بالسيف وأخذ صاحبها أسيرا.

وفيها، أمر ألب أرسلان بعود بنت الخليفة إلى بغداد، وكانت قد سارت إلى زوجها طغرلبك إلى الري بغير رضا الخليفة.

وفيها عصى قطلومش وهو من السّلجوقية على ألب أرسلان، فأرسل إليه ونهاه عن ذلك، وعرّفه أنه يرعى له القرابة والرحم، فلم يلتفت قطلومش إلى ذلك، فسار إليه ألب أرسلان إلى الري وقاتله فانهزم عسكر قطلومش وهرب إلى قلعة كرد كوه، فلما انقضى الحرب وجد قطلومش ميتا، فعظم موته على ألب أرسلان وبكى عليه، وعظم عليه فقده، فسلّاه نظام الملك، ودخل الري في آخر المحرم من هذه السنة.

وهذا قطلومش السّلجوقي هو جدّ ملوك قونية وأقصرا وملطية إلى أن استولى على مملكتهم التتر على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وكان قطلومش على تركيته عارفا بعلم النجوم جدا.

وفيها، شاع بالعراق وكثير من البلاد أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية خيما سودا، وسمعوا منها لطما وعويلا و [قائلا] يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لا يلطم أهله قلع أصله، فصدق ذلك ضعفاء العقول من الرجال والنساء حتى خرجوا إلى المقابر يلطمون.

قال ابن الأثير:

ولقد جرى ونحن في الموصل وغيرها في تلك البلاد في سنة ست مئة مثل هذا، وهو أن الناس أصابهم وجع كثير في حلوقهم، فشاع أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل مأتما أصابه هذا المرض، فكان النساء وأوباش الناس يلطمون على عنقود ويقولون:

يا أم عنقود اعذريناقد مات عنقود وما درينا

وإنما ذكرنا ذلك لأن رعاع الناس يقولون بأم عنقود وحديثها ليعلم تاريخ هذا الهذيان من متى كان.

وفي سنة سبع وخمسين وأربع مئة (¬*)، عبر ألب أرسلان جيحون، وسار إلى جند وصبران وهما عند بخارى وقبر سلجوق جده بجند فخرج صاحب جند إلى طاعته فأقره على مملكته، ووصل إلى كركنج خوارزم وسار منها إلى مرو.

وفيها، ابتدأ نظام الملك بعمارة المدرسة النظامية ببغداد.

وفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة (¬**)، أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلّد صاحب الموصل الأنبار وهيت زيادة على الموصل.

وفي سنة تسع وخمسين وأربع مئة (¬*)، في ذي القعدة نجزت عمارة المدرسة النظامية وتقرر التدريس فيها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، واجتمع الناس فتأخر أبو إسحاق عن الحضور لأنه سمع شواذا أن أرض المدرسة مغصوبة، ولما تأخر ألقى الدرس بها [أبو نصر عبد السيد] بن الصباغ صاحب كتاب «الشامل» مدة عشرين يوما، ثم اجتهدوا بأبي إسحاق ودخل عليه نظام الملك فدرّس [فيها].

وفي سنة ستين وأربع مئة (¬**) كان بفلسطين ومصر زلزلة عظيمة حتى طلع الماء من دور الآبار، وهلك بالردم عالم عظيم، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون فرجع الماء عليهم، وأهلك خلقا كثيرا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.