من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سنة إحدى وأربعين وأربع مئة إلى سنة خمسين وأربع مئة
في سنة إحدى وأربعين وأربع مئة (¬*)، جمع فلاستون بن أبي كاليجار جمعا بعد أن خلص من الاعتقال واستولى على بلاد فارس.
وفيها، جرى بين طغرلبك وأخيه إبراهيم وحشة أدت إلى قتال انهزم فيه إبراهيم بن ينال وعصى بقلعة سرماح فحصره طغرلبك واستنزله قهرا.
وفيها، أرسل ملك الروم إلى طغرلبك هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة فأجابه إليها، وعمر مسجد القسطنطينية وأقام فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك ودانت الناس له وتوطد ملكه.
وفيها، أفرج طغرلبك عن إبراهيم بن ينال أخيه فتركه معه.
وفيها، توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وعمره تسع وعشرون سنة، وملك تسع سنين وعشرة أشهر، وكان
موته بغزنة، واستقر في الملك بعده عمه عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، وكان مودود قد حبس عمه المذكور فخرج بعد موته ولقب شمس دين الله سيف الدولة.
وفيها، سار البساسيري كبير الأتراك ببغداد وملك الأنبار وأظهر العدل وحسن السيرة، ولما قرر قواعدها عاد إلى بغداد.
وفيها، ملك عسكر خليفة مصر حلب من ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي على ما قدمناه في سنة اثنتين وأربع مئة.
وفيها، وقعت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة وعظم الأمر حتى بطلت الأسواق، وشرع أهل الكرخ في بناء سور محيط بالكرخ، وشرع السنة في بناء سور على [سوق] القلايين، وكان الأذان في الشيعة ب: «حي على خير العمل»، وفي أماكن السنة: «الصلاة خير من النوم».
وفيها، توفي منصور بن جلال الدولة، وله شعر جيد.
وفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة (¬*)، سار السلطان طغرلبك من خراسان وحاصر أصفهان وبها أبو منصور بن علاء الدولة بن كاكويه، وطال محاصرته قريب سنة وأخذها بالأمان، ودخل طغرلبك أصفهان في محرم سنة ثلاث وأربعين، واستطابها ونقل إليها ما كان له بالري من سلاح وذخائر.
وفيها، استولى أبو كامل بركة بن مقلّد على أخيه قرواش ولم يكن لقرواش معه تصرف في المملكة، بل غلب عليها بركة ولقب زعيم الدولة.
ولما قطع المعز بن باديس خطبة العلويين من أفريقية وخطب للعباسيين عظم
على المستنصر العلوي وأرسل إلى المعز بن باديس في ذلك، وأغلظ له المعز في الجواب، وكان وزير المستنصر الحسن بن علي اليازوري ويازور [من أعمال] الرّملة فاتفقا على إرسال زغبة ورياح وهما قبيلتان من العرب، وكان بينهم حرب، فأصلح المستنصر بينهم وجهزهم بالأموال فاستولوا على برقة، فسار إليهم المعز بن باديس فهزموه، وساروا إلى أفريقية وحصروا المدن، ونزل بأهل أفريقية من البلاء ما لم يعهدوه، ثم جمع المعز أربعين ألف فارس وصافّهم فهزموه أيضا، ودخل المعز القيروان مهزوما، ثم جمع ثمانين ألف فارس وقاتلهم فانهزم، وكثر القتل في أصحابه، ووصلت العرب إلى القيروان، ونزلوا يحاصرون البلاد وينهبونها إلى سنة تسع وأربعين، وانتقل المعز إلى المهدية في رمضان سنة تسع وأربعين وأربع مئة.
وفيها، سار مهلهل بن محمد بن عنان أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك، فأحسن إليه طغرلبك وأقره على بلاده ومن جملتها السيروان ودقوقاء وشهرزور والصامغان، وكان سرخاب أخو مهلهل محبوسا عند طغرلبك فأطلقه لأخيه مهلهل.
وفي سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة (¬*)، كانت الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد، وأحرق قبر موسى بن جعفر، وقبر زبيدة، وقبور ملوك بني بويه وجميع الترك الذين حولها، وقصد أهل الكرخ إلى خان الحنفيين وقتلوا مدرسهم أبا سعد السّرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، ثم صارت الفتنة إلى الجانب الشرقي فاقتتل أهل باب الطاق وسوق يحيى والأساكفة.
وفيها، توفي زعيم الدولة بركة بن المقلّد بتكريت، واجتمع أكابر الدولة على إقامة [ابن أخيه قريش] بن بدران بن المقلد، وكان بدران بن المقلد صاحب نصيبين ثم صارت لابنه قريش بعده، وكان قرواش [معتقلا] منذ اعتقله أخوه بركة مع القيام برواتبه، فلما تولى قريش نقل عمه قرواشا إلى قلعة الجراحية من [أعمال] الموصل فاعتقله بها.
وفيها، وقت العصر، ظهر ببغداد كوكب له ذوائب غلب نوره على نور الشمس، وسار سيرا بطيئا ثم انفض.
وفيها، وصل رسول طغرلبك إلى الخليفة بالهدايا.
وفيها، توفي كرشاسف بن علاء الدولة بالأهواز. وكان قد استخلفه بها الملك الرحيم بن [أبي] كاليجار.
وفي سنة أربع وأربعين وأربع مئة (¬*)، قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين قتله الحاجب طغريل حاجب مودود بن مسعود، وكان أقره عبد الرشيد وقدمه فطمع في الملك وخرج على عبد الرشيد. فانحصر عبد الرشيد بقلعة غزنة، وحصره طغريل حتى سلمه أهل القلعة إليه فقتله وتزوج بنت السلطان مسعود كرها، ثم اتفق كبراء الدولة وقتلوا طغريل وأقاموا فرّخزاد بن
مسعود [بن محمود] بن سبكتكين وكان محبوسا فأحضر وبويع وقام بالأمر بين يديه خرخيز أمير الأعمال الهندية فتتبع كل من أعان على قتل عبد الرشيد وقتله.
وفيها، <في> مستهل رجب، توفي معتمد الدولة أبو منيع قرواش بن المقلّد العقيلي الذي كان صاحب الموصل بقلعة الجراحية، وحمل فدفن بتل توبة من مدينة نينوى شرقي الموصل، وقيل إن ابن أخيه قريش بن بدران أحضر عمه قرواشا وقتله في مجلسه.
وكان قرواش عاقلا، وله شعر فمنه: <الكامل>
لله درّ النائبات فإنّهاصدأ القلوب وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعننيسيفا وأطلق صرفهنّ غراري
وجمع قرواش المذكور بين أختين في نكاحه، فقيل له:
إن الشريعة تحرم هذا، فقال: وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة؟.
وقال مرة: ما برقبتي غير خمسة قتلتهم من البادية، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.
وفيها، قبض على [أبي عشام] بن خميس بن معن صاحب تكريت أخوه عيسى واستولى عليها.
وفيها، كان بخوزستان زلازل عظيمة، وكان معظمها بأرّجان فانفرج فيها جبل بأرّجان وظهر في وسطه درجة بالآجر والجص فتعجب منها الناس، وكذلك زلزلت خراسان وأشدها بيهق، وخرب سور [قصبة] بيهق، وبقي خرابا
حتى عمره نظام الملك سنة أربع وستين وأربع مئة، ثم خربه أرسلان أرغو، ثم عمره مجد الملك البلاساني.
وفيها، كانت الفتنة بين السنة والشيعة، وأعادت الشيعة الأذان ب: «حي على خير العمل»، وكتبوا على مساجدهم: «محمد وعلي خير البشر».
وفي سنة خمس وأربعين وأربع مئة (¬*)، عاد فلاستون بن أبي كاليجار وأخذ شيراز من أخيه أبي سعيد، ولما استقر فلاستون بشيراز خطب فيها لطغرلبك ولأخيه الملك الرحيم ولنفسه بعدهما.
وفي سنة ست وأربعين وأربع مئة (¬**)، سار طغرلبك إلى أذربيجان وقصد تبريز فأطاعه صاحبها، وهشوذان وخطب له فيها وحمل إليه ما أرضاه، وكذلك فعل أصحاب تلك البلاد، ولما استقر له أذربيجان على ما ذكرنا سار إلى أرمينية وقصد مناذكرد وهي للروم وحاصرها ولم يملكها، ثم إنه [عبر إلى الروم و] غزا [في] الروم ونهبهم، [وقتل] وأثر فيهم أثرا عظيما.
وفيها، حصلت الوحشة بين البساسيري و [الخليفة] القائم.
وفي سنة سبع وأربعين وأربع مئة (¬***)، قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان صاحب الجزيرة، قتله عبيد الله بن أبي طاهر البشنوي الكردي.
وفيها، ثارت جماعة من السنة ببغداد وقصدوا دار الخلافة، وطلبوا أن يؤذن لهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأذن لهم، ثم استأذنوا في نهب دور البساسيري وكان بواسط فأذن لهم الخليفة فنهبوها وأحرقوها، وأرسل الخليفة يأمر الملك الرحيم بإبعاد البساسيري فأبعده، وقدم الملك الرحيم من واسط إلى بغداد، وسار البساسيري إلى دبيس بن مزيد لمصاهرة بينهما.
وفيها، سار طغرلبك حتى نزل حلوان فعظم الإرجاف ببغداد، وأرسل قواد بغداد يبذلون له الطاعة والخطبة فأجابهم طغرلبك إلى ذلك وتقدم الخليفة [بذلك] فخطب له بجامع بغداد لثمان بقين من رمضان هذه السنة، ثم إن طغرلبك استأذن في دخول بغداد فتوجهت إليه الرسل وحلّفوه للخليفة القائم والملك الرحيم فحلف، ودخل بغداد فنزل بباب الشمّاسيّة.
<
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع