تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

مقتل السلطان مسعود الغزنوي وتملك ابنه مودود

>

ولما انهزم مسعود وعساكره من السّلجوقية إلى غزنة وصل إليها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة فقبض على مقدم عسكره شباوشي وعلى عدة أمراء وجهز ابنه مودود <اً> إلى بلخ ليرد عنها داود بن ميكائيل، وكان مسير مودود إلى بلخ في سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وسار مسعود إلى بلاد الهند ليشتي بها على عادة والده فنهب أنوش تكين أحد قواده بعض الخزائن واجتمع إليه جمع وألزم محمد <اً> أخا مسعود بالقيام بالأمر فقام على كره، وبقي مسعود في جماعة من العسكر فالتقى الفريقان في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة واقتتلوا فانهزم مسعود وتحصن في رباط، وحاصروه فخرج إليهم، فأرسله أخوه محمد إلى قلعة كيدي وحمل مع مسعود أهله وأولاده وأمر بإكرامه، ولما استقر محمد بن محمود بن سبكتكين في الملك فوض أمر دولته إلى ولده أحمد وكان به هوج فقتل عمه مسعود <اً> بقلعة كيدي بغير علم أبيه، فلما علم أبوه بذلك شق عليه وساءه [ذلك].

وكان السلطان مسعود كثير الصدقة، تصدق مرة في رمضان بألف ألف درهم، وكان محسنا إلى العلماء، قصدوه وصنفوا له كتبا كثيرة وكان يكتب خطا حسنا، وكان ملكه فسيحا، ملك أصفهان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الران وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة والغور، وأطاعه أهل البر والبحر.

ولما قتل مسعود كان ابنه مودود بخراسان في حرب السلاجقة فلما بلغه قتل أبيه سار مجدا بعساكره إلى غزنة واقتتل مع عمه محمد فانهزم محمد وقبض مودود عليه وعلى ولده أحمد وأنوش تكين الذي نهب الخزائن، وكان أنوش تكين خصيا فقتلهم مودود وقتل جميع أولاد عمه محمد خلا [عبد الرحيم]، وكذلك قتل من دخل في القبض على والده مسعود، ودخل مودود إلى غزنة في ثالث عشري شعبان هذه السنة، واستقر له الأمر بغزنة، وسلك حسن السيرة، وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد له ومتابعته.

وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة (¬*)، توفي علاء الدولة أبو جعفر بن شهريار المعروف بابن كاكويه، وكان شجاعا ذا رأي، وقام بأصفهان بعده ولده أبو منصور فرامرز وهو أكبر أولاده، وسار ولده كرشاسف إلى همذان فأخذها لنفسه.

وفيها، ملك السلطان طغرلبك جرجان وطبرستان.

وفيها أمر المستنصر العلوي أهل دمشق بالخروج عن طاعة الدّزبري فخرجوا عليه، فسار إلى حماة فعصى عليه أهلها، فكاتب مقّلد بن منقذ الكفرطابي فحضر إليه في ألفي رجل من كفرطاب واحتمى به، وسار إلى حلب فدخلها وأقام بها مدة، وتوفي منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربع مئة. وكان الدّزبري يلقب بأمير الجيوش واسمه أنوش تكين وهو منسوب إلى دزبر بن رويتم الديلمي، ولما فسد أمر الشام وطمعت العرب فخرج أبو علي ثمال صاحب الرحبة ولقبه معز الدولة بن صالح ابن مرداس الكلاني وسار إلى حلب فملكها، وعاد حسان بن مفرج الطائي فاستولى على فلسطين وقد تقدم ذكر مسيره إلى قسطنطينية في سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة وعوده.

وفيها جهز الملك أبو كاليجار عسكرا من فارس إلى عمان فملكوها.

وفيها توفي العادل أبو منصور بهرام وزير [أبي كاليجار]، ومولده سنة ست وستين وثلاث مئة، وكان عادلا، بنى دار الكتب بفيروزآباد فيها سبعة آلاف مجلد.

وفي سنة أربع وثلاثين وأربع مئة (¬*) ملك السلطان طغرلبك خوارزم، وكانت من مملكة محمود بن سبكتكين ثم صارت لابنه مسعود ونائبه فيها الطّنطاش حاجب أبيه محمود فمات فولاها مسعود ابنه هارون بن الطّنطاش ولقبه خوارزم شاه، ثم قتل هارون جماعة من غلمانه عند خروجه للصيد، فاستولى على البلد

رجل يقال له عبد الجبار، فوثب غلمان هارون بعبد الجبار وقتلوه، وولوا إسماعيل بن الطّنطاش أخا هارون، فسار شاه ملك ابن علي وكان ملكا على بعض أطراف تلك البلاد فاستولى على خوارزم، وهزم إسماعيل عنها، ثم سار طغرلبك إلى خوارزم فاستولى عليها وهزم شاه ملك، واستقرت في ملك طغرلبك في هذه السنة، ثم استولى طغرلبك على ملك الجبل في هذه السنة.

وفيها، لما افتتحت الجوالي ببغداد أخذها جلال الدولة، وكانت العادة أن يأخذها الخلفاء لا يعارضهم فيها الملوك، فأرسل القائم إلى جلال الدولة في ذلك مع أبي الحسن الماوردي، فلم يلتفت جلال الدولة إليه، فعزم القائم على مفارقة بغداد فلم يتم له ذلك.

وفيها، في رجب، خرج بمصر رجل اسمه سكين، وكان يشبه الحاكم خليفة مصر فادعى أنه الحاكم [ واتبعه جماعة يعتقدون رجعة الحاكم، وقصدوا دار الخليفة وقت الخلوة، وقالوا: هذا الحاكم،] فارتاع من كان بالباب في ذلك الوقت، ثم ارتابوا به فقبضوا عليه وصلبوه مع أصحابه.

وفي سنة خمس وثلاثين وأربع مئة (¬*) في شعبان، توفي جلال الدولة أبو طاهر ابن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ببغداد، وكان مرضه ورما في كبده، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وملكه بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرا، ولما مات كان ابنه الملك العزيز أبو منصور بواسط

فكاتبه الجند [فيما يحمله إليهم] فلم ينتظم له أمر، فسار يطلب النجدة من الملوك مثل قرواش وأبي الشوك فلم ينجده أحد. فقصد نصر الدولة بن مروان وتوفي عنده بميّافارقين سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، وكاتب الملك أبو كاليجار عسكر بغداد فاستقر له الأمر، وهو أبو كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة ابن عضد الدولة، وخطبوا له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربع مئة.

وفيها، فتح مودود بن مسعود عدة حصون من بلاد الهند.

وفيها، أسلم من الترك خمسة آلاف خركاه، وتفرقوا في بلاد الإسلام، ولم يتأخر عن الإسلام غير الخطا والتتر، وكانوا بنواحي الصين.

وفيها، ترك شرف الدولة لنفسه من ملك الترك بلاساغون وكاشفر وأعطى أخاه أرسلان تكين كثيرا من بلاد الترك، وأعطى أخاه بغراخان أطرار وأسبيجاب، وأعطى عمه طغان فرغانة بأسرها، وأعطى علي تكين بخارى وسمرقند، وقنع شرف الدولة المذكور من أهله بالطاعة [له].

وفيها، قطع المعز بن باديس بأفريقية خطبة العلويين خلفاء مصر، وخطب للقائم العباسي خليفة بغداد، ووصلت خلع القائم والأعلام على طريق قسطنطينية في البحر.

وفي سنة ست وثلاثين وأربع مئة (¬*)، خطب للملك أبي كاليجار ببغداد، وخطب له أيضا أبو الشوك ببلاده ودبيس بن مزيد ببلاده، ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، وسار أبو كاليجار إلى بغداد ودخلها في رمضان هذه السنة، وزينت بغداد لقدومه.

وفيها، أمر أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز فأحكم بناءه، ودوره اثنا عشر ألف ذراع في ارتفاع ثمانية أذرع وله أحد عشر بابا. وفرغ منه في سنة أربعين وأربع مئة.

وفي سنة سبع وثلاثين وأربع مئة (¬*)، أمسك السلطان طغرلبك أخاه [إبراهيم ابن ينال] فأخذ همذان من كرشاسف بن علاء الدولة بن كاكويه، واستولى على الدّينور وأخذها من أبي الشوك، وأخذ الصيمرة.

وفيها، توفي أبو الشوك فارس بن محمد بن عنان بقلعة السيروان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدي وصاروا مع أخيه مهلهل.

وفيها، قتل عيسى بن موسى الهذباني صاحب إربل قتله [ابنا] أخيه، وملكا قلعة إربل، وكان لعيسى أخ آخر اسمه سلار قد نزل على قرواش صاحب الموصل لوحشة كانت بينه وبين أخيه عيسى، فلما بلغه قتل أخيه سار إلى إربل صحبة قرواش فملكها وعاد قرواش إلى الموصل.

وفيها، توفي أحمد بن يوسف المنازي، وزّر لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر، وترسل إلى القسطنطينية وكان من أعيان الفضلاء، وجمع كتبا كثيرة ووقفها على جامع ميّافارقين وجامع آمد، وهي إلى قريب

كانت موجودة بخزائن الجامعين، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا، فأعجبه حسنه، فقال فيه: <الوافر>

وقانا لفحة الرمضاء وادوقاه مضاعف النّبت العميم
نزلنا دوحه فحنا عليناحنوّ المرضعات على الفطيم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
وأرشفنا على ظمأ زلالاألذ من المدامة للنديم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
تروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

وفي سنة ثمان وثلاثين وأربع مئة (¬*)، ملك [مهلهل بن] محمد بن عنان أخو أبي الشوك قرميسين والدّينور بعد أن كان قد استولى عليها أخو طغرلبك.

وفي سنة تسع وثلاثين وأربع مئة (¬**)، استولى عسكر الملك أبي كاليجار على البطيحة، وأخذوها من أبي نصر بن الهيثم، وهرب ابن الهيثم في زبزب.

[ وفيها، كان بالعراق غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة وببغداد حتى خلت الأسواق.

وفيها، مات بغراخان محمد بن قدرخان يوسف، وقبض على أخيه عمر بن قدر خان يوسف وماتا جميعا مسمومين في هذه السنة، وكان قد ملك عمر المذكور في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة حسبما تقدم، فسار شمس الملك طفقاج خان أبو إسحاق إبراهيم بن نصر إيلك خان من سمرقند وملك بلادهما، وتوفي طفقاج سنة اثنتين وستين وأربع مئة].

<

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.