تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابتداء أمر السّلجوقية

وفيها، توطد ملك طغرلبك وأخيه داود ابني ميكائيل بن سلجوق بن دقاق وكان جدهم دقاق من مقدمي الأتراك، وولد له سلجوق، وانتشأ [وظهرت عليه أمارات النجابة] فقدمه يبغو ملك الترك إذ ذاك وقوى أمره وصار له جماعة كثيرة فتغير يبغو عليه وخاف سلجوق منه، فسار بجماعته وكل مطيعيه من دار الحرب إلى دار الإسلام، وذلك لما قدره الله تعالى من سعادته وسعادة ولده، وأقام بنواحي جند، وهي [بليدة] وراء بخارى، وصار يغزو الترك الكفار، وكان لسلجوق من الولد أرسلان وميكائيل وموسى، وتوفي سلجوق بجند وعمره مئة وسبع سنين، وبقي أولاده كما كان عليه [أبوهم] من غزو كفار الترك، فقتل ميكائيل في الغزاة شهيدا، وخلف من الولد يبغو وطغرلبك و [جغروبك] داود، ثم ارتحلوا ونزلوا على فرسخين من بخارى، فأساء أمير بخارى لجيرتهم فالتجأوا إلى بغراخان أمير تركستان، واستقر الأمر بين

طغرلبك وأخيه جغروبك داود أن لا يجتمعا عند بغراخان بل إذا حضر أحدهما أقام الآخر في البيوت خوفا من الغدر بهما، واجتهد بغراخان على اجتماعهما عنده فلم يفعلا، فقبض على طغرلبك، وأرسل عسكرا إلى أخيه جغروبك داود فاقتتلوا وانهزم عسكر بغراخان وقتل منهم جماعة، وقصد جغروبك [موضع] أخيه طغرلبك وخلصه من الأسر، ثم عاد إلى جند وأقاموا بها إلى أن انقرضت الدولة السامانية وملك إيلك خان بخارى، فعظم عنده محل أرسلان بن سلجوق، ثم سار إيلك خان عنها وبقي عليها علي تكين وأرسلان ابن سلجوق حتى عبر محمود بن سبكتكين نهر جيحون وقصد بخارى فهرب علي تكين من بخارى، وأما أرسلان وجماعته فإنهم عبروا المفازة والرمل واحتموا [عن] السلطان محمود، فكاتب محمود أرسلان واستماله فقدم أرسلان عليه وقبضه في الحال ونهب خركاواته، وأشار على محمود بعض أصحابه بتغريق السلجوقية أصحاب أرسلان المذكور [في نهر جيحون] فلم يقبل، وقطع بهم نهر جيحون وفرقهم في نواحي أصفهان إلى خراسان، ووضع عليهم الخراج فجارت عليهم العمال وامتدت الأيدي إلى أموالهم وأولادهم فانتقل منهم جماعة عن خراسان إلى أصفهان، وجرى بينهم وبين علاء الدولة بن كاكويه حرب، ثم ساروا إلى أذربيجان وهؤلاء كانوا جماعة أرسلان بن سلجوق، وبقي اسمهم هناك [الترك] الغربة، وسار طغرلبك وأخواه يبغو

وجغرو بك داود من خراسان إلى بخارى فجمع علي تكين عسكره وأوقع بهم وقتل جمائعهم فألجأتهم الضرورة إلى العودة إلى خراسان فعبروا نهر جيحون وخيموا بظاهر خوارزم سنة ست وعشرين وأربع مئة، واتفقوا مع خوارزم شاه هارون بن الطّنطاش وعاهدهم ثم غدر بهم وكبسهم وأكثر من قتلهم، وارتكب من الغدر خطة شنيعة، فساروا عن خوارزم إلى جهة مرو فأرسل إليهم مسعود بن السلطان محمود جيشا فهزمهم ثم وقع بين جند مسعود منازعة في الغنيمة أدت إلى قتال بينهم، فأشار جغرو بك داود بالعود إلى العسكر فعادوا فوجدوا الاختلاف والقتال بينهم فأوقع السلجوقية بعسكر مسعود وهزموهم وأكثروا من قتلهم، واستردوا ما كانوا أخذوه منهم، وتمكنت هيبتهم في قلوب أصحاب مسعود، فكاتبهم مسعود واستمالهم، فأظهروا له الطاعة وأرسلوا يطلبون أن يطلق عمهم أرسلان بن سلجوق الذي قبضه السلطان محمود فأحضر مسعود أرسلان إلى عنده ببلخ وطلب منهم أن يحضروا فامتنعوا فأعاده إلى محبسه، وعادت الحرب بينهم فهزموا عسكر مسعود مرة بعد مرة وقوي أمرهم واستولوا على غالب خراسان وفرقوا النواب في النواحي، وخطب لطغرلبك بنيسابور، وسار جغرو بك داود إلى هراة فهرب عسكر مسعود وقدموا على مسعود بغزنة، وأعلموه بتفاقم الحال، فسار مسعود بنفسه وعساكره إلى السلاجقة، وجعل كلما تبعهم إلى مكان رحلوا إلى غيره، وطال البيكار على عسكر مسعود، وقلت الأقوات عليهم، وآخر ذلك أن السلاجقة ساروا إلى البرية فتبعهم مسعود بتلك العساكر العظيمة مرحلتين، وكان لعسكر خراسان إذ ذاك ثلاث سنين في البيكار، ونزل العسكر بمنزلة قليلة الماء، وكان الزمان حارا فجرى بينهم قتال بسبب الماء، ومشى بعض العسكر إلى

بعض في التخلي عن مسعود، ووقع بينهم الخلاف فعادت السلاجقة عليهم فهزمتهم أقبح هزيمة، وثبت السلطان مسعود في جمع قليل ثم انهزم وغنم السلاجقة منهم ما لا يحصى، وقسم جغرو بك داود ذلك على أصحابه وآثرهم على نفسه، وعادت السلاجقة إلى خراسان فاستولوا عليها، وخطب لهم على منابرها، وذلك في أواخر سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وسنذكر باقي أخبارهم إن شاء الله تعالى.

<

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.