من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أخبار الأندلس - عصر ملوك الطوائف
>
وفيها، خرج بالأندلس على المستعين <بالله> سليمان بن الحكم شخص من قواده يقال له خيران العامري لأنه كان من أصحاب المؤيد، فلما ملك سليمان قرطبة خرج عنه خيران وسار في بني عامر، وكان علي بن حمود العلوي مستوليا على سبتة وبينه وبين الأندلس عدوة المجاز، وكان أخوه القاسم بن حمود العلوي مستوليا على الجزيرة الخضراء من الأندلس، ولما رأى علي بن حمود العلوي خروج خيران عن سليمان عبر إلى مالقة واجتمع مع خيران وغيره من الخارجين على سليمان الأموي، وكان أمر المؤيد هشام قد اختفى عليهم من حين استولى ابن عمه سليمان على قرطبة في سنة ثلاث وأربع مئة، وخرج المؤيد من القصر فلم يطلع له على خبر، فاجتمع خيران وغيره إلى علي بن حمود العلوي بالمنكّب بين المريّة ومالقة سنة ست وأربع مئة وبايعوا علي بن حمود العلوي على طاعة
المؤيد الأموي إن ظهر خبره، وساروا إلى سليمان بقرطبة فأخذوه أسيرا وأحضر هو وأخوه وأبوهما الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر إلى علي بن حمود، وملك علي بن حمود قرطبة ودخلها في هذه السنة، وقصد القواد وعلي بن حمود [القصر] ليجدوا المؤيد فلم يجدوه فقتل علي بن حمود سليمان بن الحكم وأباه وأخاه، ولما قدم الحكم أبو سليمان للقتل قال له ابن حمود:
يا شيخ أقتلتم المؤيد؟، فقال: لا والله وإنه حي يرزق فأسرع ابن حمود في قتله، وأظهر موت المؤيد، ودعا الناس إلى نفسه فبايعوه وتلقب المتوكل على الله، وهو علي بن حمود بن أبي العيش ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس [بن إدريس] بن عبد الله بن الحسن بن [الحسن] بن علي بن أبي طالب ﵃، ثم إن خيران خرج عن طاعته لأنه إنما وافقه طمعا أن يجد المؤيد محبوسا في القصر ليعيده إلى الخلافة، فلما لم يجده سار خيران عن قرطبة يطلب أحدا من بني أمية ليقيمه في الخلافة، فوجد شخصا ولقبه المرتضى وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصري الأموي، وكان مستخفيا بمدينة جيان، واجتمع إلى عبد الرحمن المذكور أهل شاطبة وبلنسية وطرطوشة مخالفين على ابن حمود، فجمع علي بن حمود جموعه وقصد المسير إليهم من قرطبة، وبرز العساكر إلى ظاهرها، ودخل الحمام فوثب به غلمانه وقتلوه، وكان قتله في أواخر ذي العقدة سنة ثمان وأربع مئة، فلما علمت العساكر بقتله دخلوا البلد وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة، وولايته سنة وتسعة أشهر.
ثم ولي بعده أخوه القاسم وكان أكبر من أخيه علي بعشرين عاما، ولقب
القاسم بالمأمون، وبقي مالكا لقرطبة وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، ثم سار القاسم إلى إشبيلية فخرج ابن أخيه يحيى بن علي بقرطبة، ودعا الناس إلى نفسه، وخلع عمه فأجابوه، وذلك [في] مستهل جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، وتلقب يحيى بالمعتلي، وبقي بقرطبة حتى سار إليه عمه القاسم من إشبيلية، فخرج يحيى بن علي بن حمود من قرطبة إلى مالقة والجزيرة الخضراء فاستولى عليهما وذلك في سنة ثلاث عشرة وأربع مئة، ودخل القاسم قرطبة في التاريخ المذكور وجرى بين أهل قرطبة وبينه قتال، وبقي نحو خمسين يوما فانتصر أهل قرطبة وانهزم القاسم بن حمود وتفرق عنه عسكره، وسار إلى شريش فقصده ابن أخيه يحيى وحبسه حتى مات في حبسه بعد موت يحيى، ولما جرى ذلك خرج أهل إشبيلية عن طاعة يحيى وقدموا عليهم قاضي إشبيلية، أبا القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللّخمي وبقي إليه أمر إشبيلية وكانت ولاية القاسم بن حمود إلى أن حبس بقرطبة ثلاثة أعوام وشهورا، وبقي محبوسا إلى أن مات سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة وقد أسنّ، وأقام أهل قرطبة رجلا من بني أمية اسمه عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر ولقب المستظهر بالله، وهو أخو المهدي محمد بن هشام، وبويع في رمضان، وقتلوه في ذي القعدة، كل ذلك سنة أربع [عشرة] وأربع مئة، ولما قتل المستظهر بويع محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر ولقب المستكفي، ثم خلع بعد سنة وأربعة أشهر، فهرب وسمّ في الطريق فمات.
ثم اجتمع أهل قرطبة على طاعة يحيى بن علي بن حمود وكان بمالقة
فخطب له ثم خرجوا عن طاعته سنة ثماني عشرة وأربع مئة، وبقي يحيى كذلك مدة، ثم سار من مالقة إلى قرمونة وأقام بها محاصرا لإشبيلية، وخرجت للقاضي أبي القاسم بن عباد خيل، وكمن بعضهم فخرج يحيى لقتالهم فقتل في المعركة، وكان قتله في المحرم سنة سبع وعشرين وأربع مئة.
ولما خلع أهل قرطبة كما ذكرنا طاعة يحيى بايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي ولقبوه المعتد بالله، وكان ذلك سنة ثماني عشرة وأربع مئة، وجرى في أيامه فتن من أهل الأندلس يطول شرحها حتى خلع سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، وسار مخلوعا إلى سليمان بن هود الجذامي، فأقام عنده إلى أن مات سنة ثمان وعشرين وأربع مئة.
ثم أقام أهل قرطبة بعد هشام شخصا من ولد عبد الرحمن الناصر يقال له أمية، فلما أرادوا أن يولوه قالوا [له]: نخشى عليك أن تقتل فإن السعادة قد ولت عنكم يا بني أمية، قال: بايعوني اليوم واقتلوني غدا، فلم ينتظم له أمر، واختفى فلم يظهر أثره، ثم إن الأندلس اقتسمها أصحاب الأطراف وصاروا مثل ملوك [الطوائف]، وأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحسن بن جهور، وكان من وزراء الدولة العامرية، وبقي كذلك إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وأربع مئة، وقام بأمر قرطبة بعده ابنه أبو الوليد محمد.
وأما إشبيلية، فاستولى عليها قاضيها أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللّخمي وكان من ولد النعمان بن المنذر، ولما انقسمت مملكة الأندلس شاع أن المؤيد [هشاما] الذي اختفى أثره قد ظهر وشاع وسار إلى قرية رباح
فأطاعه أهلها فاستدعاه ابن عباد إلى إشبيلية فسار إليه وقام بنصره وكتب بظهوره إلى ممالك الأندلس فأجاب أكثرهم، وخطبوا له، وجددوا بيعته في المحرم سنة تسع وعشرين وأربع مئة، وبقي المؤيد حتى ولي المعتضد بن عبّاد فأشاع موت المؤيد، والصحيح أن المؤيد لم يظهر خبره منذ فقد بقرطبة سنة ثلاث وأربع مئة، وإنما كان إظهار المؤيد من تمويهات بني عبّاد.
وأما بطليوس، فقام بها سابور الفتى العلوي وتلقب بالمنصور، ثم انتقلت بعده إلى أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس وتلقب المظفر وأصله من بربر مكناسة، وولد أبوه بالأندلس، فلما توفي محمد المذكور صار ملك بطليوس لولده عمر بن محمد وتلقب بالمتوكل، واتسع ملكه وقتل صبرا مع ولديه عند تغلب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على الأندلس، وكان اسم ولديه اللذين قتلا معه الفضل والعباس.
وأما طليطلة، فقام بأمرها ابن يعيش ثم صارت إلى إسماعيل بن عبد الرحمن ابن عامر بن ذي النون وتلقب بالظافر بحول الله، وأصله من البربر، ثم ملك بعده ولده يحيى، ثم أخذت الفرنج منه طليطلة سنة سبع وسبعين وأربع مئة، وصار هو ببلنسية وأقام بها إلى أن قتله القاضي الأحنف بن جحاف.
وأما سرقسطة، والثغر الأعلى فكانت في يد منذر بن يحيى، ثم صارت وما معها لولده يحيى بن منذر، ثم صارت لسليمان بن أحمد بن محمد ابن هود الجذامي وتلقب بالمستعين بالله، ثم صارت لولده أحمد، ثم ولي بعده ابنه عبد الملك بن أحمد، ثم ولي بعده ابنه أحمد بن عبد الملك وتلقب بالمستنصر بالله وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمس مئة فصارت بلادهم جميعها للملثّمين.
وأما طرطوشة، فوليها [لبيب ابن] الفتى العامري، وأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز ثم غدر به صهره المأمون بن ذي النون وأخذ الملك منه سنة سبع وخمسين وأربع مئة.
وأما السّهلة، فملكها عبود بن رزين وهو بربري، وأما دانية والجزائر فكانت بيد الموفق بن أبي الحسن مجاهد العامري.
وأما مرسية، فملكها بنو طاهر واستقامت لأبي عبد الرحمن [منهم] إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد، ثم عصى بها نائبها عليه، ثم صارت للملثّمين.
وأما المريّة فملكها خيران العامري، ثم ملك بعده زهير العامري، واتسع ملكه إلى شاطبة، ثم قتل وصارت مملكته إلى المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن المنصور ابن أبي عامر، ثم صارت للملثّمين.
وأما مالقة، فملكها بنو علي بن حمود العلوي، ولم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها بالخلافة إلى أن أخذها منهم باديس بن حبوس صاحب أغرناطة.
وأما أغرناطة، فملكها حبوس بن ماكس الصنهاجي، فهذه صورة تفرق ممالك الأندلس بعد ما كانت مجتمعة لخلفاء بني أمية، وقد نظم أبو طالب عبد الجبار المعروف بالمثنى الأندلسي من جزيرة شقر أرجوزة تحتوي على فنون من العلوم، وذكر فيها أشياء من التاريخ تشتمل على تفرق ممالك الأندلس، فمن ذلك:
لما رأى أعلام أهل قرطبةأن الأمور عندهم مضطربة
وعدمت شاكلة للطاعة[استعملت] آراءها الجماعة
فقدموا الشيخ من آل جهورالمكتنى بالحزم والتدبر
ثم ابنه أبا الوليد بعدهوكان يحذو في السّداد قصده
فجاهرت بجورها الجهاورةوكلّ قطر حلّ فيه فاقرة
والثغر الأعلى قام فيه منذرثم ابن هود بعد فيما يذكر
وابن يعيش ثار في طليطلةثم ابن ذي النون تصفى الملك له
وفي بطليوس انبرى سابوروبعده ابن الأفطس المنصور
وثار في حمص [بنو] عبادوالكذب والفتون في ازدياد
وثار في غرناطة حبوسثم ابنه من بعده باديس
وآل معن ملكوا المريّةبسيرة محمودة مرضيّة
وثار في شرق البلاد فتيانالعامريون ومنهم خيران
ثم زهير والفتى لبيبومنهم مجاهد اللبيب
سلطانه رسا بمرسى دانيةثم غزا حتى إلى سردانية
ثم أقامت هذه الصقالبةلابن أبي عامرهم بشاطبة
وحل ما ملكهم بلنسيةوثار آل طاهر بمرسية
وبلد البيت لآل قاسموهو حتى الآن فيه حاكم
وابن رزين جاره في السّهلةأمهل أيضا ثم كلّ المهلة
ثم استمرت هذه الطوائفيخلفهم من الهموم خالف
وفي سبع وأربع مئة، قتلت الشيعة بأفريقية، وتتبع من بقي منهم فقتلوا، وكان سببه أن المعز بن باديس ركب بالقيروان فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل هم رافضة يسبون أبا بكر وعمر، فقال المعز: رضي الله عن أبي بكر وعمر، فثارت بهم الناس وأقاموا الفتنة وقتلوهم [طمعا] للنهب.
وفي سنة ثمان وأربع مئة (¬*)، مات طغان خان ملك تركستان وكاشغر، ولما [كان طغان خان مريضا] سارت جيوش الصين من الترك والحظا إلى بلاده فدعا طغان الله تعالى في أن يعافيه ليقاتلهم ثم يفعل به ما شاء فعوفي، وجمع العساكر وسار إليهم وهم زهاء ثلاث مئة ألف خركاه فكبسهم وقتل منهم مئتي ألف رجل، وأسر نحو مئة ألف، وغنم ما لا يحصى، وعاد إلى بلاساغون فمات بها عقيب وصوله، وكان عادلا، وما أشبه [قصته] هذه بقصة سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ في غزوة الخندق لما جرح وسأل الله أن يحييه إلى أن يقر عينه في بني قريظة، فاندمل جرحه حتى فرغ رسول الله ﷺ من غزوة بني قريظة، فانتقض جرحه ومات ﵁. وملك بعد طغان خان أخوه أبو المظفر أرسلان خان.
وفيها، في جمادى الآخرة، توفي مهذب الدولة أبو الحسن علي بن نصر ومولده سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة، وهو الذي هرب إليه القادر بالله، وسبب موته أنه افتصد فورم ساعده واشتد بسبب ذلك به المرض، فلما
أشرف على الموت وثب ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن بني فقبض على أحمد بن مهذب الدولة، فدخلت أمه على مهذب الدولة قبل موته فأعلمته بما جرى، فقال مهذب الدولة: أي شيء أقدر أعمل وأنا على هذا الحال؟، ومات من الغد فولي ابن أخيه المذكور، وضرب ابن مهذب الدولة ضربا شديدا حتى مات من ذلك الضرب بعد ثلاثة أيام من موت أبيه، ثم حصل لابن بني ذبحة فمات، فكان مدة ملكه دون ثلاثة أشهر، فولي البطيحة الحسين بن بكر الشرابي من خواص مهذب الدولة، ثم قبض عليه سلطان الدولة في سنة عشر وأربع مئة، وأرسل سلطان الدولة صدقة بن فارس المازيادي فملك البطيحة.
وفيها، مات علي بن مزيد الأسدي، وصار الأمير بعده ابنه دبيس بن علي.
وفيها، ضعف أمر الدّيلم ببغداد وطمعت فيهم العامة، وكثرت العيارون ببغداد ونهبوا الأموال.
وفيها قدم سلطان الدولة إلى بغداد وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، وكان جده عضد الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات.
وفي سنة تسع وأربع مئة (¬*)، غزا يمين الدولة الهند على عادته فقتل وغنم وعاد إلى غزنة منصورا.
[ وفيها، توفي أرسلان خان أبو المظفر بن طغان خان علي، ولما توفي ملك بلاد ما وراء النهر قدر خان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان، وتوفي
قدر خان المذكور في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى]
وفي سنة عشر وأربع مئة (¬*)، توفي وثاب بن سابق النّميري صاحب حران وملك ولده شبيب.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع