من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أخبار صالح بن مرداس وملكه حلب وأخبار ولده إلى سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة
وكان ينبغي أن [نذكر ذلك] على السنين مبسوطا ولكن لقلته كان يضيع من غير ضبط، فلذلك أوردنا <هـ> في هذه السنة، أعني سنة اثنتين وأربع مئة (¬*) جملة كما فعلنا في عدة قصص، فلذلك نقول: إننا ذكرنا ملك أبي المعالي سعد الدولة شريف بن سيف الدولة لحلب إلى أن توفي بالفالج وهو مالكها على ما شرحناه في سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، ولما توفي سعد الدولة أقيم أبو الفضائل ولد سعد الدولة مكان أبيه، وقام بتدبيره لؤلؤ مولى أبيه، ثم استولى أبو نصر بن لؤلؤ على أبي الفضائل وأخذ منه حلب، واستولى عليها وخطب
للحاكم العلوي فيها، ولقبه الحاكم مرتضى الدولة واستقر في ملك حلب، وجرى بينه وبين صالح بن مرداس الكلابي وحشة وقصص يطول شرحها، وكان الحرب بينهم سجالا، وكان لابن لؤلؤ غلام اسمه فتح، وكان دزدار قلعة حلب، فجرى بينه وبين أستاذه ابن لؤلؤ وحشة في الباطن حتى عصى فتح في قلعة حلب واستولى عليها، وكاتب فتح المذكور الحاكم العلوي بمصر وأخذ منه صيدا وبيروت وسلم حلب إلى نواب الحاكم، فسار مولاه ابن لؤلؤ إلى أنطاكية وهي للروم، فأقام معهم بها وتنقلت حلب بأيدي نواب الحاكم حتى صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك، وبقي المذكور نائب الحاكم بحلب حتى قتل الحاكم وولي الظاهر لإعزاز دين الله فتولى من جهة الظاهر على حلب إنسان يعرف بابن نعمان، وولي القلعة خادم يعرف بموصوف فقصدهما صالح بن مرداس أمير بني كلاب فسلم إليه أهل حلب مدينة حلب لسوء سيرة المصريين، فصعد ابن نعمان إلى القلعة وحصرها صالح فسلمت إليه قلعة حلب في سنة أربع عشرة وأربع مئة، واستقر صالح مالكا لحلب، وملك معها من بعلبك إلى عانة، وأقام بحلب ست سنين، فلما كان سنة عشرين وأربع مئة جهز الظاهر العلوي جيشا لقتال صالح وحسان بن أبي طيء المستولي على الرّملة، وكان مقدم عسكر المصريين اسمه أنوش تكين فاتفق صالح وحسان بن أبي طيء على قتال أنوش تكين، وسار صالح إلى حسان واجتمعا على الأردن، ووقع بينهم القتال فقتل صالح وولده الأصغر ووجّه [رأساهما] إلى مصر ونجا ولده أبو كامل نصر وسار إلى حلب فملكها، وكان لقب أبي كامل شبل الدولة، وبقي مالكا لحلب إلى سنة تسع وعشرين وأربع مئة وذلك أيام المستنصر بالله العلوي، فجهزت العساكر من مصر إلى شبل الدولة ومقدمهم يقال له الدّزبري وقيل:
أنوش تكين ويلقب الدّزبري فاقتتلوا مع شبل الدولة عند حماة في شعبان سنة تسع وعشرين وأربع مئة وملك الدّزبري حلب بعد أن قتل شبل الدولة وملك الشام جميعه وكثر ماله، وتوفي الدّزبري بحلب سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة على ما سنذكره، وكان لصالح بن مرداس ولد بالرحبة يقال له أبو علوان ثمال ولقبه معز الدولة، فلما بلغه وفاة الدّزبري سار إلى حلب وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين وأربع مئة، وبقي معز الدولة ثمال بن صالح مالكا لحلب إلى سنة أربعين وأربع مئة، فأرسل إليه المصريون جيشا فهزمهم، ثم أرسلوا جيشا آخر فهزمهم، ثم صالح ثمال المصريين ونزل لهم عن حلب فأرسل المصريون رجلا يقال له الحسن بن علي بن ملهم ولقبوه مكين الدولة فتسلم حلب من ثمال بن صالح بن مرداس في سنة تسع وأربعين وأربع مئة، وسار ثمال إلى مصر وأخوه عطية إلى الرّحبة، وكان لشبل الدولة نصر المقتول في حرب الدّزبري ولد يقال له محمود فكاتبه أهل حلب وخرجوا عن طاعة ابن ملهم، فوصل إليهم محمود واتفق مع أهل حلب وحصروا ابن ملهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، فجهز المصريون جيشا لنصرة ابن ملهم، فلما قربوا من حلب هرب محمود وقبض ابن ملهم على جماعة من أهل حلب وأخذ أموالهم، ثم سار العسكر في أثر محمود بن نصر فهزمهم وعاد إلى حلب محاصرا لها، وملك المدينة والقلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، وأطلق ابن ملهم ومقدم الجيش ناصر الدولة وهو من ولد ناصر الدولة بن حمدان، فسار إلى مصر واستقر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس بحلب، ولما وصل ابن ملهم إلى مصر وكان ثمال بن صالح قد سار إلى مصر فجهز المصريون ثمال بن صالح بجيش لقتال ابن أخيه محمود فسار إلى حلب وهزم محمود <اً> وتسلم
حلب في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، ثم توفي ثمال في حلب سنة أربع وخمسين في ذي القعدة، وأوصى بحلب لأخيه عطية الذي كان سار إلى الرّحبة، فسار عطية بن صالح من الرحبة وملك حلب في السنة المذكورة، وكان محمود بن شبل الدولة لما هرب من عمه ثمال سار إلى حران، فلما مات ثمال وملك أخوه عطية <حلب> جمع محمود عسكرا وسار إلى حلب فهزم عمه عطية عنها، فسار عطية إلى الرّقة فملكها، ثم أخذت منه فسار إلى الروم وأقام بقسطنطينية إلى أن مات بها، وملك محمود بن نصر بن صالح حلب في رمضان سنة أربع وخمسين وأربع مئة، ثم استولى محمود على أرتاح وأخذها من الروم في سنة ستين، ومات محمود المذكور في ذي الحجة سنة ثمان وستين وأربع مئة في حلب، وملك حلب بعده ابنه نصر فقتله التركمان وملك حلب أخوه سابق بن محمود، وبقي سابق مالكا لحلب إلى سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة فأخذ حلب منه مسلم بن قريش صاحب الموصل على ما نذكره.
وفي سنة اثنتين وأربع مئة، كتب ببغداد محضر بأمر القادر يتضمن القدح في خلفاء مصر، وكتب فيه جماعة من العلويين والقضاة وجماعة من الفضلاء وأبو عبد الله بن النعمان الشيعي، ونسخة المحضر:
«هذا ما شهد به الشهود أنّ معدّ بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد منتسب إلى ديصان بن سعيد، وأنّ هذا الناجم بمصر هو الحاكم منصور بن نزار - حكم الله عليه بالبوار - بن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - وأنّ من تقدّمه من سلفه الأرجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ﵁، وأنّ ما ادعوه من
النسب زورٌ وباطل، وأنّ هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار زنادقة ملحدون معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وحللوا الخمور، وسبّوا الأنبياء، وادّعوا الربوبية».
وتضمن المحضر نحو ذلك أضربنا عنه. وفي آخره: «وكتب في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربع مئة».
وفيها، اشتد أذى خفاجة للحجاج وقطعوا عليهم الطريق.
وفي سنة ثلاث وأربع مئة (¬*)، قتل قابوس بن وشمكير بن زيار بسبب تشديده على أصحابه، وعدم التجاوز عن ذنوبهم، فحصروه واستدعوا ولده منوجهر فأقاموه عليهم وكان بجرجان، ثم اتفق مع أبيه قابوس وانقطع قابوس في قلعة جرجان يعبد الله، فلم يطب لعسكره ذلك، وعاودوا منوجهر في قتله فسكت، فمضوا إلى قابوس وأخذوا جميع ما عنده من ملبوس وتركوه حتى مات بالبرد.
وفيها، مات إيلك خان ملك الترك وملك بعده أخوه طغان خان، وكان إيلك خان عادلا محبا للدين وأهله.
وفيها، في عاشر جمادى الآخرة، توفي بهاء الدولة أبو نصر خاشاذ بن عضد الدولة بتتابع الصرع مثل مرض أبيه، وكان موته بأرّجان وهو ملك العراق، وعمره اثنتان وأربعون سنة وتسعة أشهر وملكه أربع وعشرون سنة، وملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع.
وفيها، كان استيلاء سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر على قرطبة، وبويع بالخلافة، وعدم المؤيد هشام عند استيلاء سليمان.
وفي سنة أربع وأربع مئة (¬**)، غزا يمين الدولة الهند وأوغل وعاد إلى غزنة.
وفيها، عاثت خفاجة ونهبوا سواد الكوفة فطلع إليهم العسكر وقتل منهم وأسر.
وفي سنة خمس وأربع مئة (¬*)، كانت الحرب بين أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي وبين مضر وحسان ونبهان وطراد أولاد دبيس، وكان آخر هذه الحرب أن مضر كبس علي بن مزيد فهزمه واستولى على أمواله، وهرب أبو الحسن إلى [بلد] النيل.
وفيها، قتل طائفة من عامة الدّينور قاضيهم أبا القاسم [يوسف بن أحمد] بن كج الفقيه الشافعي خوفا منه، وله وجه في المذهب، وصنف كتبا كثيرة، وجمع بين رئاستي العلم والدنيا.
وفي سنة ست وأربع مئة (¬**)، توفي باديس بن منصور بن يوسف بلكّين بن زيري أمير أفريقية. وولي بعده ابنه المعز وعمره [ثماني] سنين، ووصلت إليه الخلع والتقليد من الحاكم العلوي، وهذا المعز هو الذي حمل أهل المغرب على مذهب الإمام مالك، وكانوا قبله على مذهب أبي حنيفة ﵄.
وفيها، غزا يمين الدولة الهند على عادته، فتاه الدليل ووقع هو وعسكره في مياه فاضت من البحر فغرق غالب عسكره، وبقي مدة حتى تخلص ورجع إلى خراسان.
وفيها، عزل سلطان الدولة بن بهاء الدولة نائبه بالعراق فخر الملك أبا غالب وقتله سلخ ربيع الأول من السنة، وكانت مدة ولايته على العراق خمس سنين وأربعة أشهر، وعمره اثنتين وخمسين سنة وأحد عشر شهرا، ووجد له ألف ألف دينار عينا غير العروض وغير ما نهب، وكان قبضه بالأهواز، ثم استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن بن سهلان.
وفي سنة سبع وأربع مئة (¬*)، غزا يمين الدولة الهند على عادته، ووصل إلى قشمير [وقنّوج وبلغ] إلى نهر كنك وغنم أموالا وجواهر عظيمة من فتوحه وعاد إلى غزنة منصورا.
<
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع