تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابتداء دولة الملثمين

والملثمون من عدة قبائل ينتسبون إلى حمير، وكان أول مسيرهم من اليمن في أيام أبي بكر الصديق ﵁، سيرهم إلى الشام وانتقلوا إلى مصر، ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق إلى طنجة، وأحبوا الانفراد فدخلوا إلى الصحراء واستوطنوها.

فلما كانت هذه السنة توجه رجل منهم من قبيلة جدالة طالبا الحج يقال له جوهر، فلما عاد استصحب معه فقيها من القيروان يقال له عبد الله بن ياسين الكزولي ليعلم تلك القبائل دين الإسلام، فإنه لم يبق فيهم غير الشهادتين، والصلاة في بعضهم، فتوجه ابن ياسين مع جوهر حتى أتى قبيلة لمتونة وهي قبيلة يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، ودعاها إلى العمل بشرائع الإسلام، فقالت لمتونة: أما الصلاة والزكاة والصوم فقريب، وأما قولكما من زنى يرجم، ومن سرق يقطع، ومن قتل يقتل فهذا أمر لا نلتزمه، فذهبا إلى جدالة قبيلة جوهر، [فدعواهم] والقبائل التي حولهم، فأجاب أكثرهم وامتنع أقلهم، فقال ابن ياسين للذين أجابوا إلى شرائع الإسلام: يجب عليكم قتال المخالفين لشرائع الإسلام وأقيموا لكم أميرا، قالوا: أنت أميرنا، فامتنع، وقال لجوهر: أنت، قال: أخاف من تسلط قبيلتي على الناس، ثم اتفقا على أبي بكر ابن عمر رأس قبيلة لمتونة لأنه سيد مطاع يلزم قبيلته وغيرها، فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا عليه ذلك فقبل، وعقدا له البيعة وسماه ابن ياسين أمير المسلمين،

واجتمع إليه كل من حسن إسلامه، وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين، فقتلوا من أهل البغي والفساد <و> كل من لم يجب إلى الشرع نحو ألفي رجل، فدانت لهم قبائل الصحراء وقويت شوكتهم، وتفقه منهم جماعة على عبد الله بن ياسين، ولما استبد عبد الله بن ياسين و [أبو] بكر بن عمر بالأمر داخل جوهرا الحسد، فأخذ في إفساد الأمر فعقد له مجلس حكم عليه بالقتل لكونه شق العصا، وأراد محاربة أهل الحق، فصلى جوهر ركعتين وسرّ بالقتل طلبا للقاء الله تعالى وقتلوه.

ثم جرى بين المرابطين وبين أهل السوس حرب قتل فيه عبد الله بن ياسين الفقيه، ثم سار المرابطون إلى سجلماسة واقتتلوا مع أهلها فانتصر المرابطون وملكوا سجلماسة، فلما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف ابن تاشفين اللّمتوني وهو من بني عم أبي بكر بن عمر وذلك في سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، ثم استعمل أبو بكر على سجلماسة ابن أخيه وبعث يوسف بن تاشفين ومعه جيش من المرابطين إلى السّوس ففتح على يديه، وكان يوسف رجلا ديّنا حازما داهية، واستمر الأمر كذلك إلى أن توفي أبو بكر بن عمر سنة اثنتين وستين وأربع مئة، فاجتمعت [المرابطون] على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم ولقبوه أمير المسلمين، ثم سار إلى المغرب وافتتحها حصنا حصنا وكان غالبها لزناتة، ثم إن يوسف قصد موضع مرّاكش وهو قاع صفصف فبنى فيه مدينة مرّاكش وجعلها دار ملكه، وملك طنجة وسبتة وسلا وغيرها وكثرت عساكر المرابطين ويقال لهم [الملثّمون] لأنّهم

كانوا يتلثمون على زي العرب، فلما ملكوا ضيقوا لثامهم [ليتميزوا به]، وقيل إن قبيلة لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم وألبسوا نساءهم لبس الرجال ولثموهن، فقصد بعض أعدائهم بيوتهم فوجدوا النساء [ملثمات] فظنوهن رجالا فلم يقدموا عليهن، واتفق وصول رجالهم في ذلك التاريخ فأوقعوا بأعدائهم وتبركوا باللثام وجعلوه سنة فقيل لهم: الملثّمون.

<

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.