تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابتداء دولة الصّليحيين في اليمن

>

وفي سنة خمس وخمسين وأربع مئة (¬**)، تكامل جميع اليمن لعلي بن القاضي محمد بن علي الصّليحي، وكان القاضي محمد سني المذهب وله طاعة في أربعين ألف رجل ببلاد اليمن، فتعلم ابنه مذهب الشيعة وأخذ أسرار الدعوة من عامر بن عبد الله الزّواحي، وكان عامر من أكبر دعاة

المستنصر الفاطمي خليفة مصر، فصحبه علي بن القاضي محمد، وتعلم منه أسرار الدعوة، فلما دنت من عامر الوفاة أسند أمر الدعوة إليه، فقام بأمرها أتم قيام، وصار علي بن محمد الصليحي دليلا لحجاج اليمن يحج بهم على طريق الطائف وبلاد السراة، وبقي كذلك عدة سنين.

وفي سنة تسع وعشرين وأربع مئة ترك دلالة الحج، وأخذ ستين رجلا وصعد على رأس حسار وهو [أعلى] ذروة من جبال حراز، ولم يزل يستفحل أمره شيئا فشيئا حتى ملك جميع اليمن في هذه السنة.

فلما تكامل ملكه ولى على زبيد أسعد بن شهاب بن علي الصليحي، وأسعد هو أخو زوجته وابن عمه، وبقي علي بن محمد الصليحي مالكا لجميع اليمن حتى حج فقصده بنو نجاح وقتلوه بالمهجم بضيعة يقال لها [أم الدهيم] [وبئر معبد] في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة، ولما قتل استقرت التهائم لبني نجاح، واستقر بصنعاء أحمد بن علي الصليحي المقتول، وتلقب أحمد بالملك المكرم، ثم جمع المكرم العرب وقصد سعيد بن نجاح بزبيد، وجرى بينهما قتال انهزم سعيد إلى جهة دهلك وملك المكرم

زبيد <اً> في سنة خمس و [سبعين] وأربع مئة، ثم عاد ابن نجاح وملك زبيد <اً> في سنة تسع وسبعين وأربع مئة، ثم عاد المكرم وقتل سعيدا في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، ثم ملك جياش أخو سعيد، وبقي المكرم على ملك صنعاء حتى مات سنة أربع وثمانين وأربع مئة، فلما مات تولى بعده ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي بن الصليحي في سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وبقي سبأ مستوليا حتى توفي سنة خمس وسبعين وأربع مئة، وهو آخر ملوك الصليحيين، ثم بعد موت سبأ أرسل من مصر علي ابن إبراهيم بن نجيب الدولة، فوصل إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ، وبقي حتى أرسل الآمر الفاطمي خليفة مصر وقبض عليه بعد سنة عشرين وخمس مئة، وانتقل الملك والدعوة إلى الزريع بن العباس بن الكرّم، وآل الزريع هم أهل عدن، وهم من همدان من جشم، وهؤلاء بنو الكرّم يعرفون بآل الذئب، وكانت عدن لزريع بن العباس ولعمه مسعود بن الكرّم فقتلا على [باب] زبيد مع الملك المفضل، فتولى بعدهما ولداهما وهما أبو السعود بن زريع، وأبو الغارات

ابن مسعود، ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن أبي السعود بن زريع، وبقي حتى توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة.

ثم تولى ولده الأعز علي بن سبأ، وكان مقامه بالدملؤة فمات بالسّل، وملك أخوه المعظم محمد بن سبأ، ثم ملك بعده ابنه عمران بن محمد، وكان وفاة المعظم محمد في سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، ووفاه ابنه عمران في شعبان سنة ستين وخمس مئة، وخلف عمران ولدين طفلين وهما محمد وأبو السعود.

وممن ولي الأمر من الصليحيين الملكة سيدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحي، وهي زوجة أحمد المكرم ولقبها الحرة.

ولدت سنة أربعين وأربع مئة وربتها أسماء بنت شهاب وتزوجها الملك المكرم أحمد بن أسماء وهو ابن علي الصليحي سنة إحدى وستين وأربع مئة، وطالت مدة الحرة [و] ولاها زوجها أحمد المكرم الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب واشتغل زوجها بالأكل والشرب، ولما مات زوجها وتولى ابن عمه سبأ استمرت هي في الملك، ومات سبأ وتولى ابن نجيب الدولة في أيامها واستمرت بعده حتى توفيت في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة.

وممن كان له شركة في الملك الملك المفضل [بن] أبي البركات بن الوليد الحميري صاحب التعكر وكان يحكم بين يدي الملكة الحرة. [وكان يحتجب حتى لا يرجى لقاؤه، ثم يظهر ويدبر الملك حتى يصل القوي

والضعيف إلى جهته]، وبقي المفضل كذلك إلى أن توفي في رمضان سنة [أربع وخمس مئة].

وملك بلاده بعده ولده الملك المنصور منصور بن المفضل، واستمر في ملك أبيه من تاريخ وفاته إلى سنة سبع وأربعين وخمس مئة، فابتاع محمد بن سبأ بن أبي السعود منه المعاقل، التي كانت للصليحيين وعدتها ثمانية وعشرون حصنا بمئة ألف دينار، وبقّى المنصور لنفسه تعزّ، وبقي في ملكها حتى توفي بعد أن ملك نحو ثمانين سنة، وسنذكر بقية أخبار اليمن إن شاء الله تعالى.

<

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.