من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عودة طغرلبك إلى بغداد واجتماعه بالخليفة القائم
>
وفي سنة تسع وأربعين وأربع مئة (¬*)، عاد طغرلبك إلى بغداد بعد استيلائه على الموصل وأعمالها وتسليمه إياها إلى أخيه إبراهيم بن ينال، ولما قارب [طغرلبك الفقص] خرج لتلقيه وزيره عميد الملك ورئيس الرؤساء وزير الخليفة، ودخل بغداد وقصد الاجتماع بالخليفة القائم فجلس له الخليفة على سرير طوله سبعة أذرع وعليه البردة، وحضر طغرلبك ومعه أعيان بغداد وكبراء العسكر وذلك يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة هذه السنة، فقبل طغرلبك الأرض ويد الخليفة وجلس على كرسي، وقال له رئيس الرؤساء: إن
أمير المؤمنين ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده، ورد إليك مراعاة عباد الله فاتق الله فيما ولاك [واعرف نعمته عليك]، وخلع على طغرلبك وسوّر، وأعطي العهد، فقبل الأرض [ويد الخليفة] ثانيا وانصرف، ثم بعث طغرلبك إلى الخليفة مئة مملوك من الأتراك بخيولهم ومناطقهم ومع كل واحد منهم ألف دينار ودرّة.
وفيها قبض المستنصر خليفة مصر على وزيره اليازوري وهو الحسن بن عبد الله، كان قاضيا في الرملة على مذهب أبي حنيفة، ولما قبض وجد له مكاتبات إلى بغداد.
وفي سنة خمسين وأربع مئة (¬*) سار إبراهيم <بن> ينال بعد انفصاله عن الموصل إلى همذان، وسار طغرلبك في أثره وتبعه جند بغداد، فقصد البساسيري بغداد ومعه قريش بن بدران العقيلي في مئتي فارس، ووصل إليها يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربع مئة غلام ونزل بمشرعة الزوايا وخطب بجامع المنصور للمستنصر العلوي خليفة مصر، وأمر فأذّن ب «حيّ على خير العمل»، ثم عبر عسكره إلى الزاهر، وخطب بالجمعة الأخرى من وصوله للمصري بجامع الرّصافة، وجرى بينه وبين مخالفيه حروب، وجمع البساسيري جماعة ونهب الحريم، ودخل الباب النوبي، فركب الخليفة القائم لابسا للسواد وعلى كتفيه البردة وبيده سيف وعلى رأسه لواء وحوله زمرة من العباسيين،
والخدم بالسيوف المسلة، وسرى النهب إلى باب الفردوس من داره فلما رأى الخليفة ذلك رجع إلى ورائه وصعد المنظرة ومعه رئيس الرؤساء، وقال رئيس الرؤساء لقريش بن بدران: يا علم الدين أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله ﷺ وذمام العربية على نفسه وماله وأهله، فأعطاه قريش بحضرته ذماما فنزل القائم ورئيس الرؤساء إلى قريش وسارا معه، فأرسل البساسيري إلى قريش وقال له: أتخالف ما استقر بيننا؟ وكان قد استقر بينهما أن لا يستبد أحد دون الآخر، ثم اتفقا على تسليم رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه، ويبقى الخليفة عند قريش، وحمل قريش الخليفة إلى معسكره بالبردة والقضيب واللواء، ونهبت دار الخلافة وحريمها أياما، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش، فسار به مهارش إلى حديثة عانة، فنزل بها وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلى وعلى رأسه ألوية خليفة مصر، وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية قاربت تسعين سنة، فأفرد لها البساسيري دارا وأعطاها جاريتين من جواريها، وأجرى لها الجراية، وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء، فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء:
العفو، فقال البساسيري: أنت قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان، وفعلت الأفعال القبيحة مع حرمي وأطفالي، وكان قد ألبس رئيس الرؤساء طرطورا أحمر استهزاء به، وفي رقبته مخنقة جلود وطافوا به إلى النجمي وهو يقرأ: ﴿قُلِ اَللّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ﴾.
فلما مر رئيس الرؤساء بأهل الكرخ بصقوا في وجهه لأنه كان يتعصب
عليهم، ثم ألبس جلد ثور وجعلت قرونه على رأسه، وجعل في كفه كلاّبان من حديد وصلب، وبقي آخر النهار ومات.
وأرسل البساسيري إلى المستنصر العلوي يخبره بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي وهو ممن هرب من البساسيري فبرّد فعل البساسيري وخوّف من عاقبته فتركت أجوبته مدة، ثم عادت بخلاف ما أمّل، ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكهما.
وأما طغرلبك فكان قد خرج عليه إبراهيم بن ينال أخوه، وجرى بينهما قتال أسر فيه طغرلبك لأخيه إبراهيم وخنقه بوتر، وكان قد خرج عليه مرارا، وطغرلبك يعفو عنه، فلم يعف عنه هذه المرة.
لما فرغ طغرلبك من أخيه إبراهيم وقتله سار إلى العراق، وأرسل إلى البساسيري يقول: رد الخليفة إلى ملكه وأنا أرضى منك بالخطبة ولا أرد إلى العراق، فلم يجب البساسيري إلى ذلك. فسار طغرلبك فلما قرب من بغداد انحدر منها خدم البساسيري وأولاده في دجلة، وكان دخول البساسيري بغداد سنة خمسين سادس ذي القعدة، وخروج خدمه منها سنة إحدى وخمسين سادس ذي القعدة، ووصل طغرلبك إلى بغداد وأرسل يطلب الخليفة من مهارش، فسار مهارش والخليفة إلى بغداد في السنة المذكورة حادي عشر ذي القعدة وأرسل طغرلبك بالقباب العظيمة لملتقى الخليفة القائم، ووصل الخليفة إلى النّهروان رابع عشري ذي القعدة، وخرج طغرلبك لتلقيه، فلما رآه قبّل
الأرض واعتذر عن تأخيره بعصيان أخيه إبراهيم وأنه قتله عقوبة لما جرى منه، ولوفاة أخيه جغروبك داود بخراسان، وسار مع الخليفة، ووقف طغرلبك بالباب النوبي مكان الحاجب، وأخذ لجام بغلة الخليفة حتى صار على حجرته.
ودخل الخليفة داره يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ثم أرسل طغرلبك جيشا خلف البساسيري وسار طغرلبك في أثرهم واقتتل مع البساسيري فقتل البساسيري وانهزم عسكره، وحمل رأسه إلى طغرلبك، وأخذ أموال البساسيري وحرمه وأولاده، ثم أرسل طغرلبك رأس البساسيري إلى دار الخلافة فصلب قبالة الباب النوبي.
وكان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة [واسمه أرسلان]، وهو منسوب إلى مدينة بسا بفارس، وكان سيده من بسا، فقيل له البساسيري لذلك، والعرب تجعل مكان الباء فاء فتقول: فسا.
وفيها، أعني سنة خمسين، توفي شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي، [صاحب الجزيرة، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة]
[وفيها توفي] الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز آخر ملوك بني بويه بعد أن نقل من قلعة السّيروان إلى قلعة الري فمات بها مسجونا.
وفيها، [كانت زلزلة عظيمة لبثت ساعة بالعراق والموصل]. [ووصلت إلى همذان] فخرّبت كثيرا [من الدور] وهلك فيها الجمّ الغفير.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع