من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ظهور أمر الباطنية وذكر قلاعهم
>
وفيها، ظهر أمر الباطنية، ويسمون الإسماعيلية.
أول ما عظم أمرهم بعد وفاة ملك شاه، وملكوا قلعة أصفهان وهي مستجدة بناها السلطان ملك شاه، وكان سبب بنائها أنه كان في الصيد ومعه رسول ملك الروم فهرب منه كلب وصعد إلى موضع قلعة أصفهان، فقال رسول ملك الروم: لو كان هذا الموضع ببلادنا لبنينا عليه قلعة، فأمر السلطان ببنائها، وتواردت عليها النواب حتى ملكها الباطنية، وعظم ضررهم بسببها، وكان يقول الناس: قلعة يدل عليها طلب، ويشيد بها كافر لا بد أن يكون آخرها شر <اً>.
ومن القلاع التي ملكوها ألموت وهي من نواحي قزوين.
قيل: إن بعض ملوك الدّيلم أرسل عقابا على صيد فقعد على موضع ألموت فرآه حصينا فبنى عليه قلعة وسماها إله أموت، ومعناه بالدّيلمي: تعليم العقاب، ويقال لذلك الموضع وما يجاوره طالقان، وكان الحسن بن الصباح رجلا شهما! عالما بالهندسة والحساب والجبر، وطاف البلاد، ودخل على المستنصر
العلوي خليفة مصر ثم عاد إلى خراسان وعبر النهر ودخل كاشغر ثم عاد إلى ألموت فاستغوى أهله وملكه.
ومن القلاع التي ملكوها قلعة طبس وقهستان ثم قلعة [وسنمكوه] وهي بقرب أبهر [سنة أربع وثمانين وأربع مئة]، ثم [استولوا] على قلعة خالنجان [وهي] على خمسة فراسخ من أصفهان، ثم على قلعة أزدهن ملكها أبو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح، واستولوا على قلعة كرد كوه وقلعة الطنبور وقلعة [خلادخان] وهي بين فارس
وخوزستان وامتدوا إلى قتل الأمراء الأكابر غيلة فخافهم الناس وعظم صيتهم، واجتهد السلطان بركياروق على تتبعهم وقتلهم وقتل كل من عرف منهم.
وفيها ملك الفرنج مدينة سروج من الجزيرة وقتلوا أهلها وسبوهم وملكوا أرسوف بساحل عكا وقيسارية.
وفي سنة خمس وتسعين وأربع مئة (¬*) توفي المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر معد العلوي خليفة مصر لسبع عشرة خلت من صفر، وكان مولده في العشرين من شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة، وكانت خلافته سبع سنين وشهرين، وكان مدبر دولته الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش، ولما توفي بويع بالخلافة ابنه أبو علي منصور، ولقب الآمر بأحكام الله، وكان عمر الآمر لما بويع خمس سنين وشهرا، وقام بتدبير الدولة
الأفضل بن بدر الجمالي المذكور.
وفيها كان الحرب بين بركياروق ومحمد، فكان بركياروق بواسط ومحمد ببغداد على ما تقدم ذكره، فلما سار محمد عن بغداد سار بركياروق عن واسط إليه والتقيا بروذ راور، وكان العسكران متقاربين في العدة فتصافّا ولم يجر بينهما قتال ومشى الأمراء في الصلح فاستقرت القاعدة على أن يكون بركياروق هو السلطان ومحمد الملك، ويكون لمحمد من البلاد أذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وتفرق الفريقان من المصاف رابع ربيع الأول من هذه السنة، ثم انتقض الصلح وسار كل واحد منهما إلى صاحبه في جمادى الأولى، واقتتلوا عند الري وهو المصاف الرابع، فانهزم عسكر محمد ونهبت خزائنه وهرب في نفر يسير إلى أصفهان، وتتبع بركياروق أصحاب أخيه محمد فأخذ أموالهم، ثم سار بركياروق فحصر أخاه محمدا بأصفهان وضيق عليه وعدم القوت في أصفهان ودام الحصار على محمد إلى عاشر ذي الحجة، فخرج محمد من أصفهان هاربا مستخفيا فأرسل بركياروق عسكرا في أثره فلم يظفروا به، ثم رحل بركياروق عن أصفهان ثامن عشر ذي الحجة من السنة وسار إلى همذان.
وفيها مات كربوغا بخوي من أذربيجان، كان قد أمره بركياروق بالمسير إليها فمات في خوي في ذي القعدة، واستولى على الموصل موسى التركماني وكان عاملا لكربوغا على حصن كيفا، فكاتبه أهل الموصل فسار وملك الموصل، وكان صاحب جزيرة ابن عمر رجلا تركيا يقال له شمس الدولة جكرمش، فقصد الموصل واستولى في طريقه على نصيبين، فخرج موسى التركماني لقتال
جكرمش، فغدر بموسى عسكره وصاروا مع جكرمش، فعاد موسى إلى الموصل وحاصره جكرمش مدة طويلة فاستعان موسى بسقمان بن أرتق وكان صاحب ديار بكر وأعطاه حصن كيفا، فاستمر الحصن لسقمان وأولاده إلى آخر وقت، فسار سقمان إليه فرحل جكرمش عن الموصل وخرج موسى لتلقي سقمان فوثب عليه جماعة من أصحابه فقتلوه عند قرية تسمى كواثا، ودفن على تل هناك يعرف بتل موسى إلى الآن، ورجع سقمان إلى حصن كيفا، ثم عاد جكرمش صاحب الجزيرة إلى الموصل وحصرها ثم تسلمها صلحا، وملك جكرمش الموصل وأحسن السيرة فيها.
وفيها، سار صنجيل الإفرنجي في جمع قليل وحصر ابن عمار بطرابلس، ثم صالحه على مال، فسار صنجيل إلى أنطرطوس ففتحها وقتل من بها من المسلمين، ثم [سار صنجيل] وحصر حصن الأكراد فجمع جناح الدولة صاحب حمص عسكره ليسير إليه فوثب باطني على جناح الدولة في الجامع فقتله، ولما بلغ صنجيل قتل جناح الدولة رحل عن حصن الأكراد إلى حمص ونازلها وملك أعمالها.
وفيها، قتل المؤيد بن مسلم بن قريش أمير بني عقيل، قتله بنو نمير عند هيت.
وفيها، توفي الأمير منصور بن عمارة الحسيني أمير مدينة رسول الله ﷺ، وقام ولده مقامه وهو من ولد المهنا.
وفي سنة ست وتسعين وأربع مئة (¬*)، كان المصاف الخامس بين بوكياروق و [أخيه] محمد ابني ملك شاه، فانهزم عسكر محمد أيضا، وكانت الوقعة على باب خوي، وسار بركياروق بعد الوقعة إلى جبل كثير العشب والماء بين مراغة وتبريز فأقام به أياما، ثم سار إلى تبريز وزنجان، وأما محمد فسار إلى أرجيش على أربعين فرسخا من موضع الوقعة وهي من أعمال خلاط، ثم سار من أرجيش إلى خلاط.
وفي سنة سبع وتسعين وأربع مئة (¬**)، استولى بلك بن بهرام بن أرتق بن أكسك وهو ابن أخي سقمان وإيلغازي على مدينتي عانة والحديثة، وكان لبلك المذكور سروج فأخذها منه الفرنج فأخذ عانة والحديثة من بني يعيش بن عيسى.
وفيها، في صفر، أغارت الفرنج على قلعة جعبر والرّقة واستاقوا المواشي وأسروا من وجدوه، وكانت الرّقة وجعبر لسالم بن مالك بن بدران بن المقلّد العقيلي سلمها إليه السلطان ملك شاه. كما تقدم ذكره في سنة تسع وسبعين وأربع مئة لما تسلم منه حلب.
وفيها، في ربيع الأول، وقع الصلح بين بركياروق ومحمد ابني ملك شاه، وكان بركياروق حينئذ بالري والخطبة له بها وبالجبل وطبرستان وفارس وديار بكر
والجزيرة والحرمين الشريفين والعراق، وكان محمد بأذربيجان والخطبة له فيها وببلاد أخيه سنجر، فإنه كان يخطب لشقيقه محمد إلى ما وراء النهر، ثم إن بركياروق ومحمدا تراسلا في الصلح فاستقر بينهما وحلفا على ذلك في التاريخ المذكور، وكان الصلح على أن لا يذكر بركياروق في البلاد التي استقرت لمحمد، وأن لا يتكاتبا بل تكون المكاتبة بين وزيريهما، وأن لا يعارض العسكر في قصد أيهما شاء. و [أما] البلاد التي استقرت لمحمد ووقع عليها الصلح فهي من نهر أسبيدز إلى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام ويكون له من العراق بلاد صدقة بن مزيد، ولما وصلت الرسل إلى الخليفة المستظهر بالصلح خطب لبركياروق ببغداد وكان شحنة بركياروق ببغداد إيلغازي بن أرتق.
وفيها سار صنجيل الفرنجي وقد وصله مدد الفرنج من البحر إلى طرابلس وحاصرها برا وبحرا فلم يجد فيها مطمعا فعاد عنها إلى جبيل وحاصرها وتسلمها بالأمان، ثم سار إلى عكا، ووصل إليه من الفرنج جمع من القدس وحصروا عكا في البر والبحر، وكان الوالي بعكا من جهة خليفة مصر اسمه بنا ولقبه زهر الدولة الجيوشي مملوك أمير الجيوش بدر، وجرى بينهم قتال كثير حتى ملك الفرنج عكا بالسيف، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة، وهرب بنا إلى مصر وملوك الإسلام إذ ذاك مشتغلون بقتال بعضهم بعضا، وقد تفرقت الآراء وتمزقت الأموال، واختلفت الأهواء ثم إن الفرنج قصدوا حران فاتفق جكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق ومعه التركمان فتحالفا وقصدا الفرنج واجتمعا
على الخابور والتقيا الفرنج على نهر البليخ فهزم الله تعالى الفرنج ونصر المسلمين، وقتل من الفرنج خلق كثير وقتل من ملوكهم أيضا وأسر ملكهم القومص.
وفيها، في رمضان، توفي الملك دقاق بن تتش بن ألب أرسلان بن جغروبك داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب دمشق. فخطب طغتكين الأتابك بدمشق لابن دقاق وكان طفلا له سنة واحدة، ثم قطع خطبته وخطب لبلتاش بن تتش في ذي الحجة، ثم قطع خطبة بلتاش وأعاد خطبة الطفل، وبقي هو في ملك دمشق.
وفيها، سار صدقة بن مزيد صاحب الحلّة إلى واسط واستولى عليها، وضمن البطيحة لمهذب الدولة بن أبي الخير بخمسين ألف دينار.
وفيها، توفي أمين الدولة أبو سعد [العلاء بن] الحسن بن [وهب ابن] موصلايا فجأة، وكان قد أضر، وكان بليغا فصيحا خدم الخلفاء خمسا وستين سنة، لأنه خدم القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وكان كل يوم تزداد منزلته لأنه كان نصرانيا فأسلم سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وارتفعت رتبته حتى
ناب عن الوزارة، وكان كثير الصدقة وجميل السيرة، ووقف أملاكه على وجوه البر.
وفي سنة ثمان وتسعين وأربع مئة (¬*) ثاني ربيع الآخر، توفي السلطان بركياروق بن ملك شاه، وكان مرضه السّل والبواسير، وكان بأصفهان فسار طالبا بغداد، فقوي مرضه في بروجرد، فجمع العسكر وحلفهم لولده ملك شاه وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية أشهر، وجعل الأمير إياز أتابكه، وحلّف العسكر له وأمرهم بالمسير إلى بغداد، وتوفي هو في بروجرد، ونقل إلى أصفهان فدفن فيها في تربة عملتها له سريّته، ثم ماتت عن قريب فدفنت بإزائه، وكان عمر بركياروق خمسا وعشرين سنة، ومدة وقوع السلطنة عليه اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر، وقاسى من الحروب والاختلاف ما لم يقاسه أحد، واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدة، وملك وزواله وأشرف مرارا على ذهاب مهجته في الأمور التي تقلبت به، ولما استقام أمره وأطاعه المخالفون أدركته المنية، واتفق أنه كلما خطب له ببغداد وقع فيها الغلاء، وقاسى من طمع أمرائه فيه شدائد حتى إنهم [كانوا] يحضرون نوابه ليقتلوهم، وكان صابرا حليما كريما حسن المداراة كثير التجاوز، ولما مات بركياروق سار إياز بالعسكر ومعه ملك شاه بن بركياروق ودخلوا بغداد سابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة،
وخطب لملك شاه بجوامع بغداد على قاعدة أبيه.
ولما بلغ محمد <اً> موت أخيه سار إلى بغداد ونزل بالجانب الغربي، وبقي إياز وملك شاه بالجانب الشرقي، وجمع إياز العسكر لقتال محمد، ثم إن وزيره أشار بالصلح ومشى بينهما، وحضر الكيا الهراس مدرس النظامية والفقهاء وحلفوا محمدا لإياز وأمرائه، وأحضروا ملك شاه فأكرمه وأكرمهم وصارت السلطنة لمحمد، وكان ذلك لسبع بقين من جمادى الأولى، واستمر الأمر على ذلك إلى ثامن جمادى الآخرة، فعمل إياز دعوة عظيمة للسلطان محمد في داره ببغداد فحضر إليه وقدم له إياز أموالا عظيمة.
وفي ثاني عشر جمادى الآخرة طلب السلطان إيازا، وأوقف له في الدهليز جماعة فلما دخل قتلوه بالسيوف، وكان إياز قد جاوز أربعين سنة، وهو من مماليك السلطان ملك شاه، وكان عزيز المروءة شجاعا، وأمسك الصفي وزير إياز وقتل في رمضان وعمره ست وثلاثون سنة، وكان من بيت رئاسة بهمذان.
وفيها، توفي سقمان بن أرتق بن أكسك، وذكر ابن الأثير أن أكسب بالباء لا بالكاف، وصوابه أكسك، ذكره ابن خلكان، وكان وفاة سقمان بالقريتين
لأنه كان متوجها إلى دمشق باستدعاء طغتكين بسبب الفرنج ليجعله <في> مقابلتهم لأجل مرض طغتكين فلحق سقمان الخوانيق فمات بالقريتين في صفر، وقام ابنه إبراهيم موضعه، وحمل سقمان في تابوت إلى حصن كيفا فدفن به.
ولما مات سقمان كان مالكا لحصن كيفا وماردين، أما ملكه لحصن كيفا فقد ذكرناه وتسليم موسى التركماني الحصن إليه عند استنجاده به على جكرمش، وأما [ملكه] ماردين فنحن نورده من أول الحال، وهو أن بركياروق كان قد وهب ماردين وأعمالها لمغن، ووقع حرب بين كربوغا صاحب الموصل وبين سقمان وكان مع سقمان ابن أخيه ياقوتي وعماد الدين زنكي بن آقسنقر وهو صبي فانهزم سقمان وأسر ابن أخيه ياقوتي فحبسه كربوغا بقلعة ماردين، وبقي ياقوتي محبوسا مدة، فمضت زوجة أرتق إلى كربوغا وسألته في إطلاق ابنها ياقوتي فأجابها إلى ذلك وأطلقه، فأعجبت ياقوتي ماردين، وأرسل يقول لصاحبها المغني إن أذنت لي سكنت في ربض قلعتك، وجلبت إليها الكسوبات، وحميتها من المفسدين ويحصل لك بذلك النفع، فأذن له المغني بالمقام في الربض، فأقام ياقوتي بماردين، وجعل يغير من باب خلاط إلى بغداد ويستصحب معه حفاظ قلعة ماردين ويحسن إليهم ويؤثرهم على نفسه، فاطمأنوا إليه، وسار مرة، ونزل معه أكثرهم فقيدهم وأتى إلى قلعة ماردين ونادى من بها [من أهليهم]: إن فتحتم القلعة وسلمتوني إياها، وإِلَّا ضربت أعناقهم أجمعين، فامتنعوا فأحضر واحدا فضرب عنقه ففتحوا له الباب وتسلمها وأقام بها، ثم جمع ياقوتي جمعا وقصد نصيبين ولحقه مرض حتى
عجز عن لبس السلاح وركوب الخيل، وحمل على فرسه ليركبه فأصابه سهم فسقط منه ومات.
ثم ملك ماردين بعد ياقوتي أخوه علي وصار في طاعة جكرمش صاحب الموصل، واستخلف على ماردين بعض أصحابه وكان اسمه عليا أيضا، فأرسل علي يقول لسقمان: إن ابن أخيك يريد أن يسلم ماردين إلى جكرمش فسار سقمان بنفسه وتسلم ماردين فطالبه ابن أخيه علي بردها إليه فلم يفعل، وأعطاه جبل جور عوضها، واستقرت ماردين وحصن كيفا لسقمان حتى سار إلى دمشق ومات بالقريتين، فصارت ماردين لأخيه إيلغازي بن أرتق، واستقرت لولده إلى يومنا هذا.
وفيها، اجتمعت الحجاج من الهند وما وراء النهر وخراسان وغيرها، فلما صاروا إلى الري أتاهم الباطنية وقت السّحر فوضعوا فيهم بالسيف وأخذوا أموالهم ودوابهم.
وفيها، كانت وقعة بين فرنج أنطاكية والملك رضوان بن تتش صاحب حلب، فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق، واستولى الفرنج على أرتاح.
وفي سنة تسع وتسعين وأربع مئة (¬*)، سار سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلّة إلى الكوفة فملكها، وكان خلف بن ملاعب صاحب حمص، وكان أصحابه يقطعون الطريق على الناس، وكان الضرر بهم عظيما، فسار تتش صاحب دمشق إليه وأخذ منه حمص كما تقدم ذكره سنة خمس وثمانين وأربع مئة، ثم تقلبت بخلف بن ملاعب الأحوال إلى أن دخل مصر وأقام بها،
واتفق أن متولي فامية من جهة رضوان بن تتش صاحب حلب كان يميل إلى مذهب خلفاء مصر، فكاتبهم في الباطن في أن يرسلوا من يتسلم منه فامية، فطلب ابن ملاعب أن يكون هو الذي يرسلونه لتسليم فامية فأرسلوه وتسلم فامية وقلعتها، فلما استقر بها خلع طاعة المصريين ولم يرع حقهم، وأقام بفامية يقطع الطريق ويخيف السبيل، فاتفق قاضي فامية وجماعة من أهلها وكاتبوا الملك رضوان صاحب حلب في أن يرسل إليهم جماعة ليكبسوا فامية بالليل فإنهم [يسلمونها] إليهم، فأرسل رضوان جماعة فأصعدهم القاضي والمتفقون معه بالحبال إلى القلعة فقتلوا ابن ملاعب وبعض أولاده وهرب البعض، واستولوا على قلعة فامية، ثم سار إليها الفرنج وملكوها وقتلوا القاضي المتغلب عليها.
وكان صنجيل الفرنجي قد ملك مدينة جبلة، ثم سار وأقام يحاصر طرابلس، وبنى بالقرب منها حصنا، وبنى تحته ربضا وهو المعروف بحصن صنجيل، فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وأحرق الربض ووقف صنجيل على سقوفه المحرقة فانخسف به فمرض من ذلك وبقي عشرة أيام ومات، فحمل إلى القدس ودفن فيه، ودام الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين، وظهر من صاحبها ابن عمار صبر عظيم، وقلّت الأقوات بها، وافتقرت الأغنياء.
وفي سنة خمس مئة (¬*)، وفي يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك الغرب [والأندلس] وكان حسن السيرة، وكان قد أرسل إلى بغداد وطلب التقليد من المستظهر خليفة بغداد، فأرسل إليه الخلع والتقليد، ويوسف المذكور
هو الذي بنى مدينة مرّاكش، ولما مات ملك البلاد بعده ابنه علي بن يوسف وتلقب بأمير المسلمين.
وفيها، قتل فخر الملك بن نظام الملك واسمه أبو المظفر علي، وكان أكبر أولاد نظام الملك، قتل يوم عاشوراء، وزّر لبركياروق ثم لأخيه سنجر وكان قد أصبح يوم قتل صائما بنيسابور، وقال لأصحابه: رأيت الليلة في المنام الحسين ابن علي وهو يقول: عجل إلينا وليكن إفطارك عندنا، وقد اشتغل فكري، ولا محيد عن قضاء الله تعالى، فقالوا له: الصواب أن لا تخرج اليوم، فأقام يقرأ القرآن ويصلي وتصدق بشيء كثير وخرج العصر من الدار التي كان فيها يريد دار النساء فسمع صياح متظلم شديد الحرقة، فأحضره، وقال: ما حالك؟ فدفع رقعة، فبينما فخر الملك يتأملها إذ ضربه بسكين قتله بها، وأمسك الباطني وحمل إلى السلطان سنجر فقرره فأقرّ على جماعة كذبا، فقتل هو وتلك الجماعة.
وفيها، ملك سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد قلعة تكريت سلمها إليه كيقباذ بن هزراسب الديلمي، وكانت تكريت لبني معن برهة من الزمان، ثم خرجت عنهم وتنقلت في أيدي غيرهم حتى صارت لآقسنقر صاحب حلب، ثم لكوهرائين، ثم لمجد الملك البلاساني فولى عليها كيقباذ المذكور وبقيت في يده حتى سلمها في هذه السنة لصدقة.
وفيها، أقطع السلطان محمد جاولي غلامه سقاوة الموصل والأعمال التي بيد جكرمش كلها، فسار جاولي حتى قارب الموصل، فخرج جكرمش لقتاله في محفّة لأنه كان قد لحقه فالج واقتتلا فانهزم عسكر جكرمش وأخذ
جكرمش أسيرا من المحفّة، وسار جاولي بعد الوقعة وحصر الموصل وكان قد أقام المواصلة زنكي بن جكرمش في ملك الموصل وعمره إحدى عشرة سنة، وبقي جاولي يطوف بجكرمش حول الموصل أسيرا وهو يأمرهم بتسليم البلد فلم يقبلوا منه فمات جكرمش في تلك الحال وله نحو ستين سنة، وكان قد عظم ملكه، وهو الذي بنى سور الموصل وحصّنها، وكاتب أهل الموصل قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش السلجوقي صاحب بلاد الروم يستدعونه، فسار قاصدا للموصل وتسلمها في خامس عشري رجب، ورحل عنها جاولي إلى الرّحبة، ثم استخلف قليج أرسلان ابنه ملك شاه على الموصل وعمره إحدى عشرة سنة وأقام معه أميرا يدبره، ورحل قليج أرسلان إلى جاولي، وكان قد كثر جمع جاولي واجتمع إليه رضوان صاحب حلب وغيره.
ولما وصل قليج أرسلان إلى الخابور وصل إليه جاولي واقتتلوا في العشرين من ذي القعدة، وقاتل قليج أرسلان بنفسه قتالا عظيما، فانهزم عسكره، واضطر هو إلى الهرب، فألقى نفسه في الخابور فغرق، ثم ظهر بعد أيام ودفن بقرية من قرى الخابور يقال لها الشميسانية، وسار جاولي إلى الموصل فسلمت إليه بالأمان، وسار ملك شاه بن قليج أرسلان إلى عند السلطان محمد.
وفيها حاصر السلطان محمد قلعة الباطنية التي بالقرب من أصبهان، التي بناها ملك شاه بن ألب أرسلان بإشارة رسول الروم على ما قدمنا ذكره، وكان اسم القلعة شاه دز وكانت المضرة بها عظيمة، وأطال عليها الحصار، ونزل بعض الباطنية بالأمان، وساروا إلى باقي قلاعهم وبقي أحمد بن
عبد الملك بن عطاش صاحب شاه دز مع جماعة يسيرة، فزحف السلطان عليه وقتله وقتل جماعة كثيرة من الباطنية وملك القلعة وخربها.
وفيها، توفي الأمير سرخاب بن بدر بن مهلهل المعروف بابن أبي الشوك الكردي، وكان له أموال وخيول لا تحصى، وقام بعده أخوه أبو منصور، وبقيت الإمارة في بيته مئة وثلاثين سنة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع