من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
خلافة المستظهر بالله أبي العباس أحمد ثامن عشري بني العباس
ولما توفي المقتدي كان بركياروق قد قدم إلى بغداد فأخذت عليه البيعة
للمستظهر بن المقتدي وبايعه الناس، وكان عمره لما بويع ست عشرة سنة وشهرين.
وفيها، لما عاد تتش من أذربيجان إلى الشام أخذ في جمع الجيوش حتى كثرت رجاله، وجمع آقسنقر بحلب وأمدّه بركياروق بالأمير كربغا، فاجتمع كربغا وآقسنقر وقاتلوا تتش عند نهر سبعين قريبا من تل السلطان بينه وبين حلب ستة فراسخ، فخامر بعض عسكر آقسنقر وصاروا مع تتش وانهزم الباقون فثبت آقسنقر فأحضر أسيرا وأحضر إلى تتش، فقال تتش لآقسنقر: لو ظفرت بي ما كنت تصنع؟ قال: أقتلك، قال: فأنا أقتلك وأحكم عليك ما حكمت عليّ به، فقتل بين يديه صبرا، وسار تتش إلى حلب فملكها. وأسر بوزان وقتله، وأسر كربغا وسجنه بحمص، ثم استولى تتش على حران والرّها، ثم سار إلى البلاد الجزرية فملكها ثم ملك ديار بكر وخلاط، وسار إلى أذربيجان فملكها، ثم سار إلى همذان فملكها، وأرسل يطلب من المستظهر بالله الخطبة ببغداد فأجيب إليها، ولما بلغ بركياروق استيلاء عمه على أذربيجان سار إلى إربل ومنها إلى [بلد] سرخاب بن بدر إلى أن قرب من عسكر تتش ولم يكن مع بركياروق غير ألف رجل، فسارت فرقة من عسكر عمه وكبسوه فهرب إلى أصفهان، وكانت تركان خاتون قد ماتت على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، فدخل بركياروق أصفهان وبها أخوه محمود فاحتاط على بركياروق كبار عسكر أخيه محمود وأرادوا أن يسملوه فلحق محمود <اً> جدري قوي فتوقفوا في أمر بكياروق لينظروا ما يكون من محمود، فمات محمود من ذلك
في سلخ شوال هذه السنة، فكان فرجا بعد شدة لبركياروق، وكان مولد محمود سنة ثمانين وأربع مئة في صفر، ثم إن بركياروق جدّر بعد محمود وعوفي فاجتمعت عليه العساكر وكان منه ومن تتش ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها، في ربيع الأول، توفي بمصر أمير الجيوش بدر الجمالي وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر، ولما مات قام بما كان إليه من الأمر ابنه الأفضل.
وفيها، وفي ثامن <ذي> الحجة، توفي المستنصر بالله أبو تميم معد بن أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وكانت خلافته ستين سنة وأربعة أشهر و [كان] عمره [سبعا وستين] سنة، وهو الذي خطب له البساسيري ببغداد، ولقي المستنصر في خلافته شدائد وأهوالا أخرج فيها أمواله وذخائره حتى لم يبق له غير سجادته التي يجلس عليها وهو مع هذا صابر غير خاشع، ولما مات ولي خلافة مصر ابنه المستعلي بالله أبو القاسم أحمد.
وفيها، توفي أمير مكة محمد بن أبي هاشم الحسيني وقد جاوز سبعين سنة، وتولى بعده أخوه الأمير قاسم.
وفيها، توفيت تركان خاتون زوجة ملك شاه التي قدمنا ذكرها، وكانت
قد برزت من أصفهان لتتصل بتاج الدولة تتش فمرضت وعادت إلى أصفهان وماتت، ولم يكن [قد بقي] معها غير قصبة أصفهان.
[وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مئة] (¬*) اجتمع قواد عسكر أحمد خان صاحب سمرقند وقبضوا عليه بسبب زندقته، ولما قبضوه أحضروا القضاة والفقهاء، وأقاموا خصوما ادعوا عليه الزندقة فجحد، فشهد عليه جماعة بذلك وأفتى الفقهاء بقتله فخنق وأجلسوا مكانه ابن عمه مسعود <اً>.
ولما انهزم بركياروق من تتش دخل أصفهان واستولى تتش على أذربيجان ونهب جرباذقان، ثم سار إلى الري وبركياروق مريض بالجدري، فلما عوفي سار بالعساكر إلى عمه تتش والتقوا بموضع قريب الري فانهزم عسكر تتش وثبت هو فقتل في صفر هذه السنة - أعني [ثمانيا] وثمانين وأربع مئة، واستقامت السلطنة لبركياروق، وإذا أراد الله أمرا فلا مردّ له، وإلاّ لو تبع بركياروق من عسكر عمه تتش لما كبسوه وهرب إلى أصفهان مئة نفس أخذوه لأنه بقي على باب أصفهان عدة أيام لا يمكن من الدخول إليها، فلما دخلها أراد الأمراء أن يسلموه فاتفق أن أخاه محمودا حمّ ثاني يوم وصوله وجدر ومات وقام هو مقامه ثم جدر، ولو قصده تتش قبل دخوله أصفهان، أو وقت مرض أخيه أو
وقت مرضه لملك البلاد، ولله سرّ في علاه.
وكان لتتش بن ألب أرسلان ابنان يقال لهما رضوان ودقاق، وكان دقاق في الوقعة مع أبيه، وأما رضوان فبلغه مقتل أبيه وهو بالقرب من هيت متوجها للاستيلاء على العراق، فرجع إلى حلب وبها من جهة والده أبو القاسم حسن بن علي الخوارزمي، ولحق برضوان جماعة من قواد أبيه، ولحقه أخوه دقاق، وكان معه أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام وكانوا كلهم مع أبي القاسم حسن الخوارزمي كالضيوف وهو المستولي على البلد. ثم إن رضوان كبس أبا القاسم نصف الليل، واحتاط عليه وطيب قلبه. وخطب لرضوان بحلب، وكان مع رضوان الأمير ياغي سيان بن محمد التركماني صاحب أنطاكية، ثم وقع الاختلاف بين ياغي سيان وجناح الدولة، وكان جناح الدولة مزوجا بأم رضوان، وهو من أكبر القواد، فسار ياغي سيان إلى أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي، ودخل رضوان إلى حلب، وأما دقاق فكاتبه ساوتكين الخادم والي قلعة دمشق يستدعيه سرا ليملكه دمشق، فهرب دقاق من حلب سرا وجدّ السير فأرسل رضوان في أثره خيلا فلم يدركه، ووصل رضوان دمشق فسلمها إليه ساوتكين، ووصل إلى دقاق طغتكين ومعه جماعة من خواص تتش، فإن طغتكين كان مع تتش في الوقعة وأسر ثم خلص ووصل إلى دمشق فلقيه دقاق وأكرمه وكان طغتكين زوج والدة دقاق، واتفق دقاق وطغتكين على ساوتكين الخادم فقتلاه، ثم سار ياغي سيان صاحب أنطاكية إلى دقاق ووصل إلى دمشق ومعه حسن الخوارزمي الذي كان مستوليا على حلب فجعله وزيرا لدقاق.
<
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع