تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

مقتل نظام الملك ووفاة السلطان ملك شاه من بعده

>

وفي عاشر رمضان من هذه السنة، قتل نظام الملك [الحسن] بن علي بن إسحاق، وسببه أنه حصل بينه وبين ملك شاه وحشة، فلما كان اليوم المذكور بعد الإفطار وهم بالقرب من نهاوند وقد انصرف نظام الملك [إلى] خيمة حرمه وثب عليه صبي ديلمي في صورة [مستعط] وضربه بسكين قتله بها، وأدرك أصحابه ذلك الديلمي فقتلوه، وحصل للعسكر بسبب قتله شوشة، فركب السلطان وسكّنها.

وكان نظام الملك كبيرا، فإن مولده سنة ثمان وأربع مئة، وكان قتله بتدبير من السلطان ملك شاه، ومات ملك شاه بعده بخمسة وثلاثين يوما على ما سنذكره.

وكان نظام الملك من أبناء الدهاقين بطوس، ماتت أمه وهو رضيع، فكان يطوف به والده على المراضع فيرضعنه، ثم انتشأ وتعلم العربية وسمع الحديث واشتغل بالأعمال السلطانية، ولم يزل الدهر يعلو به حتى خدم طغرلبك وصار

وزيره، ولما صار الملك إلى ألب أرسلان كان نظام الملك مع ابنه ملك شاه، وقام بأمره حتى صارت السلطنة إلى ملك شاه، فبلغ نظام الملك من المنزلة ما لم يبلغه غيره من الوزراء، وقرب العلماء وبنى المدارس في سائر الأمصار، وأسقط المكوس، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان قد فعله عميد الملك الكندري كما تقدم ذكره، وأوصافه [كثيرة] حسنة، رحمه الله تعالى.

وكان السلطان ملك شاه ونظام الملك قد سارا عن بغداد في العام الماضي إلى أصفهان، فعادا من أصفهان في هذه السنة إلى بغداد فقتل نظام الملك بالقرب من نهاوند كما ذكرنا، ودخل السلطان بغداد في رابع عشري رمضان هذه السنة، ثم خرج ملك شاه من بغداد إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضا بحمى محرقة، وتوفي ليلة الجمعة نصف شوال، وكان مولده في سنة سبع وأربعين وأربع مئة، وكان من أحسن الناس صورة ومعنى، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الشمال إلى بلاد اليمن، وحملت له ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وكانت أيامه أيام عدل وسكون وأمن فعمرت البلاد، ودرت الأرزاق، وعمر الجامع ببغداد، وعمل المصانع بطريق مكة، وكان غاويا بالصيد، وكان يتصدق بعدد كل وحش يصيده دينارا، وصاد مرة عشرة آلاف صيد فتصدق بعشرة آلاف دينار.

ولما مات ملك شاه أخفت زوجته تركان خاتون موته، وفرقت الأموال في الأمراء، وسارت إلى أصفهان واستحلفت العساكر لولدها محمود وعمره أربع

سنين وشهور، وخطب له في بغداد وغيرها، وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين يدي تركان خاتون، وأما بركياروق بن ملك شاه فإنه هرب من أصفهان لما دخلت تركان خاتون إليها، وانضم إلى بركياروق النظامية لبغضهم تاج الملك لأنه هو الذي سعى في نظام الملك حتى قتل، وقوي بركياروق فأرسلت تركان خاتون عسكرا إلى بركياروق والنظامية فاقتتلوا في القرب من بروجرد فانهزم عسكر تركان خاتون، وسار بركياروق وحصرهم في أصفهان، وكان تاج الملك في عسكر تركان خاتون فأخذ أسيرا وأراد بركياروق الإحسان إليه وأن يوليه الوزارة، فوثبت النظامية عليه وقتلوه.

وكان تاج الملك المذكور [ذا فضائل جمة]، وخرجت السنة والأمر على ذلك.

وفي سنة ست وثمانين وأربع مئة (¬*)، خرج من أصفهان الحسين بن نظام الملك إلى بركياروق فأحسن إليه وولاه الوزارة ولقبه عز الملك.

وفيها، تحرك تتش من دمشق لطلب السلطنة بعد موت أخيه، واتفق معه آقسنقر صاحب حلب وخطب له ياغي سيان صاحب أنطاكية، وبزان صاحب الرّها، وسار تتش ومعه آقسنقر، فافتتح نصيبين عنوة، ثم قصد الموصل وكنا ذكرنا في سنة [سبع وسبعين] وأربع مئة أنه لما قتل مسلم بن قريش صاحب الموصل وحلب استولى على الموصل إبراهيم بن قريش، ثم إن ملك شاه قبض على إبراهيم سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة وأخذ منه الموصل، وبقي إبراهيم معه حتى مات ملك شاه، فسار وملك الموصل، فلما قصد تتش في هذه السنة

الموصل خرج إبراهيم لقتاله والتقوا بالمضيح من أعمال الموصل، فانهزمت المواصلة، وأخذ إبراهيم بن قريش أسيرا وجماعة من أمراء العرب قتلوا صبرا، وملك تتش الموصل واستناب فيها علي بن مسلم بن قريش، وأمه ضيفة عمة تتش، وأرسل تتش يطلب الخطبة من بغداد، فتوقفوا فيها، فسار تتش فاستولى على ديار بكر وسار إلى أذربيجان، وكان قد استولى بركياروق على كثير منها، فسار بركياروق إلى عمه ليمنعه فقال آقسنقر: نحن إنما أطعنا تتش لعدم قيام أحد من أولاد السلطان ملك شاه، أما إذا كان بركياروق بن السلطان قد تملك فلا نكون مع غيره، وخلى آقسنقر تتش ولحق بركياروق فضعف تتش لذلك وعاد إلى الشام.

وفيها، ملك عسكر المستنصر خليفة مصر مدينة صور.

وفي سنة سبع وثمانين وأربع مئة (¬*) توفي الخليفة المقتدي [بأمر الله] أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم، مات فجأة يوم السبت خامس عشر المحرم وعمره [ثمان وثلاثون] سنة وثمانية أشهر وأيام، وخلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وأمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان أدركت خلافته وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابن ابنه المسترشد، وكان المقتدي قوي النفس عظيم الهمة.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.