من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سقوط بيت المقدس
>
وفي سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة (¬*) ملك الفرنج بيت المقدس.
كان تتش قد أقطع بيت المقدس للأمير أرتق، فلما توفي صار لولديه إيلغازي وسقمان حتى خرج عسكر خليفة مصر فاستولوا على القدس بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربع مئة، وسار سقمان وإيلغازي، فأقام سقمان بالرّها ودخل إيلغازي العراق، وبقي القدس في أيدي المصريين إلى هذه السنة، فقصده الفرنج وحصروه نيفا وأربعين يوما، وملكوه يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان هذه السنة.
ولبث الفرنج يقتلون المسلمين بالقدس أسبوعا، وقتل من المسلمين في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس منهم جماعة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وعبادهم المجاورين بذلك الموضع الشريف، وغنموا [ما لا يقع] عليه الإحصاء.
ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان، فاجتمع أهل بغداد في الجوامع وبكوا واستغاثوا، ووقع الخلاف بين الملوك السّلجوقية فتمكن الفرنج من البلاد.
وقال في ذلك [أبو] المظفر الأبيوردي أبياتا منها: <الطويل>
مزجنا دماء بالدموع السّواجمفلم يبق منا عرضة للمراجم
وشرّ سلاح المرء دمع يفيضهإذا الحرب شبّت نارها بالصوارم
وكيف تنام العين ملء جفونهاعلى [هبوات] أيقظت كلّ نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهمظهور المذاكي أو بطون القشاعم
يسومهم الروم الهوان وأنتمتجرّون ذيل الخفض فعل المسالم
وكم من دماء قد أبيحت ومن دمىًتواري حياء حسنها بالمعاصم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذىوتغضي على ذلّ كماة الأعاجم
فليتهم إذ لم يذودوا حميّةعن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم
وفيها، قوي أمر السلطان محمد بن ملك شاه أخي الملك بركياروق، وهو أخو السلطان سنجر لأب وأم وأمهما أم ولد، واجتمعت إليه العساكر، واستوزر مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك، وقصد بركياروق وهو بالري فسار عنها ووصل إليها محمد فوجد بها زبيدة خاتون والدة بركياروق وقد تخلفت عن ابنها، فقبض عليها مؤيد الملك، وأخذ خطها بمال ثم خنقها، ثم اجتمع إلى محمد كوهرائين شحنة بغداد وكربوغا صاحب الموصل، وأرسل يطلب الخطبة من بغداد فخطب له بها نهار الجمعة سابع عشر <ذي> الحجة من هذه السنة.
وفي سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة (¬*)، سار بركياروق ودخل بغداد وأعيدت الخطبة له في صفر، ثم سار إلى أخيه محمد وجمع كل منهما عسكره واقتتلوا رابع رجب عند النهر الأبيض، وهو على عدة فراسخ من همذان، فانهزم بركياروق وأرسل أخوه محمد إلى بغداد فأعيدت خطبته، ولما انهزم بركياروق سار إلى الري واجتمع عليه أصحابه وقصد خراسان واجتمع مع الأمير داد أمير جيش خراسان، ووقع بين بركياروق وبين أخيه سنجر قتال فانهزم بركياروق وعسكره، وسار إلى جرجان ثم إلى دامغان.
وفيها، جمع كمشتكين بن طيلوا المعروف بابن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس، وسمي الدانشمند لأن أباه كان معلم التركمان واسمه عندهم دانشمند، فترقى ابنه حتى ملك هذه البلاد وقصد الفرنج، وكانوا ساروا إلى
ملطيه فأوقع بهم وأسر ملكهم.
<
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع