من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر الحرب بين رضوان ودقاق ابني تتش
>
وفيها، سار رضوان من حلب إلى دمشق ليأخذها من أخيه دقاق، وسار مع رضوان ياغي سيان صاحب أنطاكية وجناح الدولة، ووصلوا إلى دمشق، فلم ينل منها غرضا وارتحل رضوان إلى القدس فلم يملكها. وتراجعت عنه عساكره فرجع إلى حلب.
ثم فارق ياغي سيان رضوان وصار مع دقاق وحسن له قصد أخيه رضوان وأخذ حلب منه، فسار دقاق إلى رضوان واقتتلوا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم، وعاد رضوان إلى حلب منصورا، ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق.
وفيها، خطب الملك رضوان للخليفة المستعلي خليفة مصر أربع جمع ثم خشي العاقبة فأعاد الخطبة العباسية.
وفيها، قتلت الباطنية أرغش النظامي بالري، وكان قد بلغ مبلغا عظيما بحيث إنه تزوج بابنة ياقوتي عم السلطان بركياروق.
وفيها، قتلت الباطنية الأمير برسق الطغرلبكي وهو أول شحنة كان من جهة السلاجقة ببغداد.
سنة إحدى وتسعين وأربع مئة إلى سنة خمس مئة <ذكر ابتداء الحملة الصليبية الأولى>
في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة (¬*) ملك الفرنج أنطاكية، وكان مبدأ خروجهم في سنة تسعين وأربع مئة، فعبروا خليج قسطنطينية إلى بلاد قليج أرسلان بن قطلومش صاحب قونية، وجرى بين قليج أرسلان وبين الفرنج قتال، انهزم فيه قليج أرسلان.
ثم ساروا إلى بلاد ليون الأرمني وخرجوا إلى أنطاكية فحصروها تسعة أشهر، وظهر لياغي سيان في ذلك شجاعة عظيمة، ثم هجموا أنطاكية عنوة، وخرج ياغي سيان في الليل هاربا، فلما أصبح ورجع وعيه أخذ يتلهف على أهله وأولاده وعلى المسلمين، فلشدة ما لحقه سقط مغشيا عليه، فأراد غلامه أن يركبه فلم يكن [فيه] من المسكة ما يثبت على الفرس فتركه غلمانه مرميا، واجتاز به وهو مرمي إنسان أرمني كان يقطع الخشب وهو على آخر رمق فقطع رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية، وكان ملك الفرنج أنطاكية في جمادى الأولى من هذه السنة، ووضعوا السيف في المسلمين الذين بها وأخذوا أموالهم.
ولما بلغ كربوغا صاحب الموصل ما فعله الفرنج بأنطاكية جمع عسكره وسار إلى مرج دابق واجتمع إليه دقاق بن تتش صاحب دمشق وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وهو زوج أم الملك رضوان، فإنه كان قد فارق رضوان من حلب وملك حمص، وغيرهم من الأمراء والعربان وساروا حتى نازلوا أنطاكية وانحصر الفرنج بها، وطلبوا من كربوغا أن يطلقهم فامتنع، ثم إن كربوغا أساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء فتكبر عليهم فخبثت نياتهم عليه، ولما ضاق على الفرنج الأمل وقلت أقواتهم خرجوا من أنطاكية وقاتلوا المسلمين، فولى المسلمون هاربين وكثر القتلى فيهم، ونهبت الفرنج خيامهم وتقووا بالأقوات والسلاح.
و [لما انهزمت المسلمون من بين أيديهم] ساروا إلى المعرّة واستولوا عليها، ووضعوا السيف في أهلها، فقتلوا مئة ألف إنسان، وسبوا السبي الكثير، وأقاموا بالمعرّة أربعين يوما، وساروا إلى حمص فصالحهم أهلها.
<
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع