من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سنة إحدى وخمس مئة إلى سنة عشر وخمس مئة
في سنة إحدى وخمس مئة (¬*)، في رجب، قتل سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب في قتال جرى بينه وبين السلطان محمد، واشتد القتال بينهم، فقتل صدقة في المعركة بعد أن قاتل قتالا شديدا، وحمل رأسه إلى السلطان محمد، وكان عمر صدقة تسعا وخمسين سنة، وإمارته إحدى وعشرين سنة، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، وكان صدقة متشيعا، وهو الذي بنى الحلّة بالعراق، وكان قد عظم شأنه، واتسع جاهه، واستجار به كبار الناس وصغارهم، وكان مجتهدا في النصح للسلطان محمد حتى إنه جاهر بركياروق بالعداوة ولم يبرح على مصافاة محمد، ثم فسد ما بينهما حتى قتل صدقة كما ذكرنا.
وكان سبب الفساد حماية صدقة لكل من خاف من السلطان، واتفق أن السلطان محمد غضب على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب
ساوة فهرب صاحب ساوة واستجار بصدقة، وأرسل السلطان يؤكد في إرساله فلم يفعل صدقة أن يسلمه، فسار السلطان إليه واقتتلوا كما ذكرنا فقتل صدقة وأسر ابنه دبيس وأُسر سرخاب صاحب ساوة.
وفيها، في رجب، توفي تميم بن المعز [بن] باديس صاحب أفريقية، وكان ولايته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما، وخلف من الأولاد مئة ولد ذكر وستين بنتا، ولما توفي ملك ولده يحيى، وكان عمر يحيى لما ولي ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر.
وفيها، توجه فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس إلى بغداد مستنفرا لما حل بطرابلس <و> بالشام من الفرنج، واجتمع بالسلطان محمد والخليفة المستظهر فلم يحصل منهما غرض، فعاد إلى دمشق وأقام عند طغتكين وأقطعه الزّبداني.
وأما طرابلس فإن أهلها دخلوا في طاعة خليفة مصر، وخرجوا عن طاعة ابن عمار، وكان من أمر طرابلس ما سنذكره.
وفي سنة اثنتين وخمس مئة (¬*)، أرسل السلطان محمد عسكرا مع أمير يقال له مودود بن الطغتكين إلى الموصل ليأخذوها من جاولي، فوصلوا إلى الموصل وحصروها، وتسلمها الأمير مودود في صفر، وأما جاولي فإنه لم ينحصر
بالموصل وهرب إلى الرّحبة قبل نزول العسكر عليها، ثم سار جاولي مجدا ولحق السلطان محمد <اً> قرب أصفهان وأخذ كفنه معه ودخل عليه وطلب العفو فعفا عنه وأمنه.
وفيها، تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد، ولاه السلطان محمد وأمره بعمارة دار المملكة ببغداد ففعل بهروز ذلك، وأحسن إلى الناس، وكان السلطان لما ولاه في أصفهان، ثم لما قدم إلى بغداد ولى بهروز شحنكية العراق جميعه.
وفيها، في فصح النصارى، نزل الأمراء بنو منقذ أصحاب شيزر للتفرج على عيد النصارى، فثار جماعة من الباطنية في قلعة شيزر فملكوها، وبادر أهل المدينة إلى الباشورة وأصعدهم النساء بالحبال من الطاقات، وأدركهم الأمراء بنو منقذ فأوقعوا فيهم السيف من كل جانب، فلم يسلم من الباطنية أحد، بل قتلوا عن آخرهم.
وفي سنة ثلاث وخمس مئة (¬*)، في حادي عشر ذي الحجة، ملك الفرنج مدينة طرابلس لأنّهم ساروا إليها من كل جهة وحصروها في البر والبحر
وضايقوها من أول رمضان، وكانت في يد نواب خليفة مصر وجهز إليها خليفة مصر أسطولا فرده الهواء ولم يقدر على الوصول إليها ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وملكوها بالسيف فقتلوا ونهبوا وسبوا، وكان بعض أهل طرابلس طلبوا الأمان وخرجوا منها قبل أن يملكها الفرنج.
وفي سنة أربع وخمس مئة (¬*)، ملك الفرنج مدينة صيدا في ربيع الآخر بالأمان.
وفيها سار صاحب أنطاكية الفرنجي إلى الأثارب وهي بالقرب من حلب فحصرها، ودام القتال حتى ملكها بالسيف، وقتل من أهلها ألفي رجل، وأسر الباقين، ثم سار إلى زردنا فملكها بالسيف، وصالح الملك رضوان صاحب حلب الفرنج على اثنين وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم مع خيول وثياب، ووقع الخوف في قلوب أهل الشام من الفرنج، فبذلت لهم أصحاب البلاد أموالا فصالحهم أهل مدينة صور على سبعة آلاف دينار، وصالحهم ابن منقذ صاحب
شيزر على أربعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار.
وفيها، قال ابن خلكان في ترجمة الآمر بأحكام الله منصور العلوي:
قصد بردويل الإفرنجي الديار المصرية فانتهى إلى الفرما ودخلها وأحرقها وأحرق جامعها ورحل عنها وهو مريض فهلك في الطريق قبل وصوله العريش، فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك فهي ترجم إلى الآن ورحلوا بجثته فدفنوها بقمامة، وسبخة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى المذكور، والناس يقولون عن الحجارة الملقاة هناك إنها قبر بردويل، وإنما هي هذه الحشوة.
وكان بردويل صاحب بيت المقدس ويافا وعكا وعدة بلاد من ساحل الشام، وهو الذي أخذ هذه البلاد من المسلمين.
وفي سنة خمس وخمس مئة (¬*)، جهز السلطان محمد عسكرا فيه مودود صاحب الموصل إلى قتال الفرنج بالشام فساروا ونزلوا على الرّها فلم يملكوها، ثم
ساروا إلى حلب فأغلق رضوان أبواب حلب ولم يجتمع بهم، فساروا إلى المعرة ثم افترقوا ولم يحصل بهم غرض.
وفي سنة ست وخمس مئة (¬*)، توفي بسيل الأرمني صاحب [بلاد] الأرمن، فقصدها صاحب أنطاكية الفرنجي ليملك بلاد الأرمن التي هي اليوم سيس فهلك في الطريق وملكها سرجال.
وفيها، توفي قراجا صاحب حمص وقام بعده ولده قيرخان.
وفيها، توفي سكمان القطبي صاحب خلاط، وكان قد ملك خلاط سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة حسبما ذكرنا، ولما توفي سكمان ملك خلاط ولده ظهير الدين إبراهيم وسلك سيرة أبيه، وبقي مالكا لخلاط حتى توفي سنة إحدى وعشرين وخمس مئة فتولى مكانه أخوه أحمد وبقي في الولاية حتى دخل عليه عشرة أشهر [وتوفي]، فحكمت والدتهما زوجة سكمان وهي إينانج
خاتون ابنة أركمان وبقيت مستبدة بملك خلاط ومعها ولد ولدها سكمان بن إبراهيم بن سكمان وعمره ست سنين فقصدت جدته إينانج إعدامه لتفردها بالمملكة فلما رأى كبراء الدولة سوء نيتها لولد ولدها خنقوها في سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، واستقر ابن ابنها شاه أرمن سكمان بن إبراهيم بن سكمان في الملك حتى توفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة حسبما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفي سنة سبع وخمس مئة (¬*)، اجتمع المسلمون وفيهم مودود صاحب الموصل وتميرك صاحب سنجار والأمير إباز بن إيلغازي وطغتكين صاحب دمشق، وكان مودود قد سار من الموصل إلى دمشق، فخرج طغتكين والتقاه بسلمية وسار معه إلى دمشق، واجتمعت الفرنج وفيهم بغدوين صاحب القدس وجوسلين صاحب الحصن واقتتلوا بالقرب من طبرية ثالث عشر المحرم وهزم الله الفرنج وكثر القتل فيهم، ورجع المسلمون منصورين إلى دمشق، ودخلوها في ربيع الأول، ودخل مودود وطغتكين وأصحابهما الجامع وصلوا الجمعة، وخرج طغتكين ومودود يتمشيان في صحن الجامع فوثب باطني على مودود وضربه
بسكين، وضربه طغتكين على رأسه بعكاز قتله به، وابتدر الخدم فقتلوه وحملوا رأسه إلى مودود، وحملوا مودود <اً> إلى دار طغتكين وكان صائما، فاجتهدوا به أن يفطر فلم يفعل، ومات من يومه رحمه الله تعالى، وكان خيرا عادلا، قيل:
إن الباطنية الذين في الشام خافوه فقتلوه، وقيل: إن طغتكين خافه فوضع عليه من قتله، ودفن مودود بدمشق في تربة دقاق بن تتش ثم نقل إلى بغداد ودفن في جوار أبي حنيفة، ثم نقل إلى أصفهان.
وفيها، توفي الملك رضوان بن تتش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب حلب، وقام مقامه بحلب ابنه ألب أرسلان الأخرس، وكانت أمور رضوان غير محمودة، وقتل رضوان قبل موته أخويه أبا طالب وبهرام، وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه، وكان ولايته في سنة ثمان وثمانين وأربع مئة في سنة قتل أبوه تتش، ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم والحكم والأمر إليه، ولم يكن ألب أرسلان أخرس حقيقة، وإنما كان في لسانه تمتمة وحبسة، وكانت أمه بنت ياغي سيان صاحب أنطاكية، وكان عمره حين ولي ست عشرة سنة، ولما ملك قتل الباطنية الذين بحلب، وكانوا جماعة، ولهم صورة ونهبت أموالهم.
وفي سنة ثمان وخمس مئة (¬*)، أرسل السلطان محمد آقسنقر
البرسقي واليا على الموصل لما بلغه قتل مودود بن الطنطاش، وأمر السلطان الأمراء وأصحاب الأطراف بالمسير صحبة البرسقي لقتال الفرنج، وجرى بين إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وبين البرسقي قتال انتصر فيه إيلغازي وهرب البرسقي، ثم خاف إيلغازي من السلطان فسار إلى طغتكين صاحب دمشق واتفق معه وكاتبا الفرنج واعتضدا بهم، ثم عاد إيلغازي إلى بلاده فلما قرب من حمص كان في جماعة قليلة فخرج إليه قيرخان صاحب حمص فأسره وحبسه وبقي مدة ثم أطلقه.
وفيها، في شوال، توفي علاء الدولة أبو سعد مسعود بن إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وكان ملكه في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، وملك بعده ابنه أرسلان شاه، وأمسك إخوته فهرب منهم بهرام شاه واستجار بالسلطان سنجر بن ملك شاه صاحب خراسان، وأرسل سنجر إلى أرسلان شاه يشفع في بهرام شاه فلم يقبل منه، فسار سنجر إلى غزنة وجمع أرسلان شاه عساكره واقتتلوا واشتد قتالهم فانهزم أرسلان شاه ودخل سنجر غزنة واستولى عليها وأخذ منها أموالا عظيمة وقرر في السلطنة بهرام شاه وأمر أن يخطب في مملكته للسلطان محمد ثم للملك سنجر ثم للسلطان بهرام شاه المذكور، ثم عاد سنجر إلى بلاده، وكان أرسلان شاه قد هرب إلى هندستان، ثم جمع جمعا وعاد إلى غزنة فاستنجد بهرام شاه بسنجر فأرسل إليه عسكرا فلما قاربوا غزنة هرب أرسلان شاه من غير قتال وتبعوه حتى أمسكوه وسلموه إلى بهرام شاه فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة، وكان قتل أرسلان شاه في سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، وقدمنا ذكره لنتبع [الحادثة] بعضها بعضا،
وكان عمر أرسلان لما قتل سبعا وعشرين سنة.
وفيها، في شوال، قتل تاج الدولة ألب أرسلان الأخرس بن الملك رضوان بن تتش صاحب حلب قتله غلمانه بقلعة حلب، وأقاموا أخاه سلطان شاه بن رضوان والمتولي على الأمر لؤلؤ الخادم.
وفي سنة تسع وخمس مئة (¬*)، أرسل السلطان محمد عسكرا [ضخما] لقتال طغتكين صاحب دمشق وإيلغازي صاحب ماردين [فعبر العسكر الفرات من الرّقة، وقصدوا حلب فعصت عليهم] فساروا إلى حماة وهي لطغتكين وحصروها وفتحوها عنوة ونهبوها ثلاثة أيام ثم سلموا حماة إلى الأمير قيرخان ابن قراجا صاحب حمص، وأقام العسكر بحماة، وسار طغتكين وإيلغازي إلى فامية واجتمعوا بملوك الفرنج وهم صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وأقاموا [بفامية] ينتظرون تفرق المسلمين فلما أقام عسكر المسلمين إلى الشتاء تفرق الفرنج، وسار طغتكين إلى دمشق وإيلغازي إلى ماردين، ثم سار المسلمون من حماة إلى كفر طاب وهي للفرنج فاستولوا عليها، وقتلوا من بها من الفرنج ونهبوهم، ثم سار المسلمون إلى المعرة وهي للفرنج وقتلوا خلقا من الفرنج، ثم ساروا إلى حلب فكبسهم صاحب أنطاكية [في أثناء الطريق] فهربوا إلى بلادهم.
وفيها، استولى الفرنج على رفنية وكانت لطغتكين، فسار واسترجعها إلى ملكه وقتل من بها من الفرنج.
وفيها [توفي] يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب أفريقية يوم عيد الأضحى فجأة، وتولى بعده ابنه علي، وكان عمر يحيى اثنتين وخمسين سنة، وولايته [ثماني] سنين وخمسة أشهر، وخلف ثلاثين ولدا.
وفيها، قدم السلطان محمد إلى بغداد، فسار إليه طغتكين من دمشق وسأله الرضا عنه فرضي عنه ورده إلى دمشق.
وفيها، أخذ السلطان الموصل و [ما كان] معها من آقسنقر البرسقي وأقطعها للأمير جيوش بك، وبقي البرسقي في الرّحبة وهي إقطاعه.
وفي سنة عشر وخمس مئة (¬*) مات جاولي سقاوة بفارس، وكان السلطان محمد قد ولاه إياها بعد أخذ الموصل منه على ما تقدم ذكره.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع