تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

لنبهان بن عكي في النسيب

وقال نبهان بن عكي العبشمي:

يقر بعيني أن أرى من مكانهذرا عقدات الأبرق المتقاود
للشاعر نبهان العبشمي، اقرأ القصيدة
وأن أرد الماء الذي شربت بهسليمى، وقد مل السرى كل واجد
للشاعر نبهان العبشمي، اقرأ القصيدة
وألصق أحشائي ببرد ترابهوإن كان مخلوطاً بسم الأساود
للشاعر نبهان العبشمي، اقرأ القصيدة

قوله: "ذرا عقدات" فالذروة من كل شيء أعلاه، فذروه السنام أعلاه، وذروة المجد أرفعه وأسناه، ويقال: فلان في ذروة قومه إذا كان في الموضع الرفيع منهم، وأما قول لبيد:

مدمنٌ يجلو بأطراف الذرادنس الأسؤق عن عضب أفل

فإنما يقول: هذا رجل يعرقب الإبل لينحرها ثم يمسح ذرا أسنمتها بسيفه، ليجلو ما عليه من دم الأسؤق.

وقوله: "عضب" أي قاطع، ومن ذلك رجل عضب اللسان، وجعله أفل لكثرة ما يقارع به الحروب، كما قال النابغة:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وقوله: "عقدات "فهو ما انعقد وصلب من الرمل، والواحدة عقدة، وأعقاد أيضاً وعقدات، قال ذو الرمة لهلال بن أحوز المازني يمدحه:

رفعت مجد تميم يا هلال لهارفع الطراف على العلياء بالعمد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا دار مية بالخلصاء فالجرد»
حتى نساء تميم وهي نازحةبقلة الحزن فالصمان فالعقد
لو يستطعن إذا ضافتك مجحفةوقينك الموت بالآباء والولد

وقوله: "الأبرق" فالأبرق حجارة يخلطها رمل وطين، يقال لتلك: برقة، وأبرق، وبرقاء، يا فتى كما يقال: الأمعز والمعزاء، وهي الأرض الكثيرة الحصباء، ومثل ذلك الأبطح والبطحاء، وهو ما انبطح من الأرض، فمن قال: أبرق فإنما أراد المكان، ومن قال: برقاء فإنما أراد البقعة.

وقوله: "المتقاود" يريد المنقاد المستقيم، ومن ذلك قولهم: قدته أي جررته على استقامة، وكذلك طريق منقاد، وفلان قائد الجيش، قال حاتم بن عبد الله الطائي يضرب هذا مثلاً:

إن الكريم من تلفت حولهوإن اللئيم دائم الطرف أقود

وقوله:

ولو كان مخلوطاً بسم الأساود

يريد جمع أسود سالخ، وجمعه على أساود، لأنه يجري مجرى الأسماء، وما كان من باب "أفعل" اسما فجمعه على أفاعل، نحو أفكل وأفاكل، والأكبر والأكابر، وكذلك كل ما سميت به رجلاً، تقول: أحمد وأحامد وأسلم وأسالم، فإن كان نعتاً فجمعه" فعل" نحو أحمر وحمر وأصفر وصفر، ولكن أسود إذا عنيت به الحية، وأدهم إذا عنيت به القيد، وأبطح إذا عنيت المكان المنبطح، والأبرق إذا عنيت المكان، مضارعة للأسماء، لأنها تدل على ذات الشيء، وإذا كانت في الأصل نعتاً محضاً، تقول في جمعها: الأباطح والأبارق والأداهم والأساود، فإن أردت نعتاً محضاً يتبع المنعوت، قلت: مررت بثياب سود، وبخيل دهم، وكل ما أشبه هذا فهذا مجراه، قال جرير:

هو القين وابن القين لا قين مثلهلفطح المساحي أو لجدل الأداهم
للشاعر جرير، من قصيدة «لا خير في مستعجلات الملاوم»

وقال الأشهب بن رميلة: قال أبو الحسن: رميلة اسم أمة:

أسود شرى لاقت أسود خفيةتساقت على حرد دماء الأساود
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

قوله: "على حرد" يقول: على قصد، فأما الله ﷿: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ فإن فيه قولين: أحدهما ما ذكرنا من القصد، قال الشاعر:

قد جاء سيل جاء من أمر اللهيحرد حرد الجنة المغلة

وقالوا: "على حرد": أي على منع من حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت درها.

[قال أبو الحسن: رواية أبي العباس: "يقر بعيني "يريد يقر عيني، ثم أتى بالباء توكيداً، وقال لنا: هكذا سمعته، ويقال: أقر الله عينه يقرها، وقرت عينه تقر، وقررت بالمكان أقر وقال الأصمعي: قرت عينه من القر وهو البرد، أي جمدت فلم تدمع، وهو بحذاء سخنت عينه وأجود مما روى عندي: "يقر بعيني"، وهو الأصل، والباء في موضعها غير مؤكدة.

وقال أبو العباس: الذي رويت: "وقد مل السرى كل واحد"، وهو المنفرد في السير المتوحد به، وروىغيره: "كل واجد"، أي عاشق وروي أيضاً: "كل واخد"، وهو من الوخد والوخدان، وهو السير الشديد والوخد المصدر، والوخدان الاسم].

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.