تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

ضروب الكلام

والكلام يجري على ضروب؛ فمنه ما يكون في الأصل لنفسه، ومنه ما يكنى عنه بغيره، ومنه ما يقع مثلاً، فيكون أبلغ في الوصف.

والكناية تقع على ثلاثة أضربٍ:

أحدها: التَّعمية والتَّغطية، كقول النابغة الجعديّ:

أكنِّي بغير اسمها وقد علم اللهخفيات كلِّ مكتتم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «هل بالديار الغداة من صمم»

وقال ذو الرُّمَّة، استراحةً إلى التصريح من الكناية:

أحبُّ المكان من أجل أنَّنيبه أتغنى باسمها غير معجم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا أيهذا المنزل الدارس اسلم»

وقال أحد القرشيين:

وقد أرسلت في السرِّ أن قد فضحتنيوقد بحت باسمي في النَّسيب وما تكني
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طربت وهاجتك المنازل من جفن»

ويروى أن عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة قال شعراً، وكتب به إلى امرأةٍ محرمةٍ بحضرة ابن أبي عتيق، وهو:

ألما بذاتِ الخالِ فاستطلعا لناعلى العهد باقٍ ودها أم تصرما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألما بذات الخال فاستطلعا لنا»
وقولاَ لها إن النوى أجنبيةٌبنا وبكر قد خفت أن تتيمما
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «ألما بذاتِ الخالِ، فاستطلعا لنا»

قال: فقال له ابن أبي عتيقٍ: ماذا تريد إلى امرأةٍ مسلمةٍ محرمة تكتبُ إليها بمثل هذا الشعر! قال: فلما كان بعد مديدةٍ قال له ابن أبي ربيعة.

أعلمتَ أن الجوابَ جاء من عندِ ذاك الإنسان? فقال له: ما هو? فقال: كتبت:

أضحى قريضكَ بالهوى نمامافاقصد هديتَ وكن له كتاما
واعلم بأن الخال حين ذكرتهقعد العدو به عليك وقاما

ويكن من الكناية - وذاك أحسنها- الرغبةُ عن اللفظ الخسيس المفحش إلىما يدل على معناه من غيره، قال الله - وله المثل الأعلى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ

الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ وقال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ والملامسة في قول أهل المدينة - مالكٍ وأصحابه - غير كنايةٍ، إنما هو اللمسُ بعينه، يقولون في الرجلِ تقع يده على امرأته أو على جاريتهِ بشهوةٍ: إن وضوءه قد انتقض.

وكذلك قولهم في قضاء الحاجةِ: جاء فلان من الغائطِ، وإنما الغائط الوادي، وكذلك المرأةُ، قال عمروُ بن معدي كرِب الزبيديُّ:

فكم من غائطٍ من دون سلمىقليل الإنس ليس به كتيعُ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ينادي من براقش أو معين»

وقال الله جل وعزَّ في المسيح ابن مريمَ وأمهِ صلى الله عليهما: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾، وإنما هو كنايةٌ عن قضاء الحاجة. وقال: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾؛ وإنما هي كنايةق عن الفروج. ومثل هذا كثيرٌ.

والضرب الثالث من الكناية: التفخيم والتعظيمُ، ومنه اشتقت الكنيةُ وهو أن يعظمض الرجل أن يدعى باسمه، ووقعت في الكلام على ضربين: وقعت في الصبيِّ على جهة التفاؤل؛ بأن يكون له ولدٌ ويدعى ولده كنايةً عن أسمه، وفي الكبير أن ينادى باسم ولده صيانةً لاسمهِ؛ وإنما يقال: كنيَ عن كذا بكذا، أي تركَ كذا إىل كذا، لبعض ما ذكرنا.

وكان خالدُ بن عبد الله القسري لعنه الله يلعن عليا ﵁ على المنبر فيقول: فعل الله على علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد منافٍ ابن عمّش رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة وأبي الحسن والحسين. ثم يُقبلُ على الناسِ ويقول: أكنيتُ! فهذا تأويل هذا.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.