من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لأعرابي
ونرجع إلى الباب الذي قصدنا له:
وقال أعرابي:
وحقهِ مسكٍ من نساءٍ لبستهاشبابي وكأسٍ باكرتني شمولها
جيدةِ سربال الشباب كأنهاأباءةُ برديٍّ سقتها غيولها
محملةٍ باللحم من جون خصرهاتطولو القصارَ والطوال تطولها
قوله؛ "باكرتني شمولها"، زعم الأصمعي أن الخمر إنما سميت شمولاً لأن لها عصفة كعصفة الريح الشمال.
وقوله: "أباءةُ بردي" الأباءة: القصبةُ، وجمعها الأباءُ، يا فتى.
قال كعبُ بن مالكٍ الأنصاريُّ:
من سرهُ ضربٌ يرعبلُ بعضهُبعضاً كمعمعة الأباءِ المحرقِ
المعمعة: صوت إحراقه، يقال: سمعتُ معمعة القصب والقوصرة في النار، أي صوت احتراقها.
وإنما شبهَ المرأة بالبردية والقصبة لبقاء اللون المستتر منها وما والاهُ ورقته.
قال حميدُ بن ثور الهلاليُّ:
لم ألق عمرة بعد إذ هي ناشىءخرجت معطفة عليها مئزرُ
برزت عقيلة أربع هادينهابيض الوجوه كأنهن العنقرُ
العطاف: الوشاح للناس، والعنقرُ: أصولُ القصبِ، يقال: عنقرٌ وعنقرٌ، وفي هذا الشعر:
ذهبت بعقلك ريطةٌ مطويةٌوهي التي تهدى بها لو تنشرُ
[قال أبو الحسنِ: أنشدنيه ثعلبٌ في قوله: لو تنشرُ: تشعر].
فهممت أن أغشى إليها محجراًولمثلها يغشى إليه المحجرُ
وقوله: "سقتها غيولها" الغيل: ههنا: الأجمة، ومن هذا قوله: أسدُ غيل، قال طرفةُ:
أسدُ غيلٍ فإذا ما شربواوهبوا كل أمونٍ وطمرْ
وقد أملينا جميع ما في الغيل والغيلِ.
وقوله:
تطول القصارَ والطوال تطولها
طال: يكون على ضربين: أحدهما تقديره: فعل، وهو ما يقع في نفسه انتقالاً لا يتعدى إلى مفعول، نحو ما كان كريماً فكرمَ، وما كان وضيعاً ولقد وضع، وما كان شريفاً ولقد شرفَ، وكان الشيءُ صغيراً فكبرَ، وكذلك قصيراً فطال، وأصله طولَ.
وقد أخبرنا بقصةِ الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما وهما متحركتان، وعلى ذلك يقال في الفاعل: فعيلٌ نحو شريفٍ، وكريم، وطويل. فإذا قلتَ: طاولني فطلتهُ، أي فعلوته طولاً، فتقديره فعل نحو خاصمني فخصمتهُ، وضاربني فضربتهُ، وفاعلُهُ طائلٌ، كقولك ضاربٌ، وخاصمٌ. وفي الحديث: "كان رسول الله ﷺ فوقَ الربعةِ، وإذا مشى مع الطوالِ طالهمُ".
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع