تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

من طرائف العشاق

وخبرت أن رجلاً جافياً عشق قينة حضرية، فلكما يوماً على ظهر الطريق فلم تكلمه، فظن أن ذاك حياءٌ منه، فقال: يا خريدة! قد كنتُ أحسبك عروباً، فما بالنا نمقك وتشنئينا! فقالت: يا ابن الخبيثةِ! أتجمشني بالهمزِ!

الخريدةٌ: الحيية. والعروبُ: الحسنةُ التبعل، وفسرَ في القرآن على ذلك في قوله: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾. فقيل: هن المحباتُ لأزواجهن.

وقال أوسُ بن حجر:

تصبي الحليم عروبٍ غير مكلاحِ

وذكر الليثي أن رجلاً كان يحب جاريةً لوم يكن يحسن مما يتوصل به إلى النساء شيئاً، إلا أنه كان يحفظ القرآن، فكان يتوصل إليها بالآية بعد الآية، فكان إن وعدته فأخلفته تحين وقت مرورها، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ وإن خرجت خرجةً ولم يعلم بها فينتظر تحينها في أخرى، فتلا: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. وإن وشى به إليها واشٍ كتبَ إليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾.

وذكروا أن أبا القمقام بن بحر السقاء عشق جارية مدينية، فبعث إليها: إن أخواناً لي زاروني، فابعثي إلي برؤوسٍ حتى نتغدى ونصطبح [اليوم] على ذكرك، ففعلت، فلما كان في اليوم الثاني بعثَ إليها: إن القوم مقيمون لم

نفترق، فابعثي إلي بقليةٍ جزوريةٍ وبقريةٍ قديةٍ حتى نتغداها ونصطبح على ذكركِ، فلما كان في اليوم الثالث بعثَ إليها: إنا لم نفترق، فابعثي إلي بسنبوسكٍ حتى نصطبح اليوم على ذكرك، فقالت لرسوله: إني رأيت الحب يحل في القلبِ، ويفيض إلى الكبدِ والأحشاء، وإن حب صاحبنا هذا ليس يجاوزُ المعدة.

وخبرت أن أبا العتاهية كان قد استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين المهدي في النيروز والمهرجان، فأهدى في أحدهما برنيةً ضخمةً، فيها ثوب ناعمُ مطيب، قد كتب في حواشيه:

نفسي بشيءٍ من الدنيا معلقةٌالله والقائمُ المهدي يكفيها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «نفسي بشيء من الدنيا معلقة»
إني لأيأس منهاثم يطمعنيفيها احتقارك للدنيا بما فيها

فهم بدفع عتبة إليه، فجزعت، وقالت: يا أمير المؤمنين، أبعد حرمتي وخدمتي تدفعني إلى رجلٍ قبيح المنظر بائع جرار ومكتسبٍ بالعشق! فأعفاها، وقال: املئوا له هذه البرنية مالاً، فقال للكاتب: أمر لي بدنانير فقالوا: ما ندفع ذلك، ولكن إن شئت أعطيناك دراهم إلى أن يفصح بما أراد، فاختلف في ذلك حولاً، فقالت عتبةُ: لو كان عاشقاً كما يزعم لم يكن يختلف منذ حولٍ في التمييز بين الدراهم والدنانير، وقد أعرض عن ذكري صفحاً.

ودعت أبا الحارث جمين، واحدةٌ كان يحبها، فجعلت تحادثه ولا تذكر

الطعام، فلما طال ذلك به قال: جعلني الله فداكِ! لا أسمع للغداء، ذكراً. قالت: أما تستحيي! أم في وجهي ما يشغلك عن ذا? فقال لها: جعلني الله فداكِ! لو أن جميلاً وبثينة قعدا ساعةً لا يأكلان شيئاً لبزقَ كل واحدٍ منهما في وجهِ صاحبهِ وافترقا.

وأنشدت لأعرابيٍّ:

وقد رابني من زهدمٍ أن زهدماًيشد على خبزي ويبكي على جملِ
فلو كنت عذري العلاقةِ لم تكنسميناً وأنساك الهوى كثرةَ الأكلِ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ويعجبني من جعفر أن جعفرا»

وقال أعرابي:

ذكرتك ذكرةً فاصطدت ضباوكنت إذا ذكرتكِ لا أخيبُ

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.