من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
للفرزدق عند هروبه من سجن ابن هبيرة
وقال الفرزدق لابن هبيرة حين نقب له السجن وهرب، فسار تحت الأرض هو وابنه حتى نفذا:
لما رأيت الأرض قد سد ظهرهاولم يبق إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد ماثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرةوما سار سار مثلها حين أدلجا
خرجت ولم يمنن عليك طلاقةسوى ربد التقريب من نسل أعوجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق! هجاني أميراً، ومدحني أسيراً.
قوله: حيث أدلجا. تقول: أدلجت، إذا سرت في أول الليل. وادلجت، إذا سرت من آخره في السحر. قال زهير:
بكرن بكورا وادلجن بسحرةفهن لوادي الرس كاليد للفم
وأعوج: فرس كان لغني، وقالوا، كان لبني كلاب. ولا ينكر هذا، لأن خبيبة بنت رياح الغنوية، ولدت بني جعفر بن كلاب. فلعله أن يكون صار إلى بني جعفر بن كلاب من غني.
والعرب تنسب الخيل الجياد إلى أعوج، وإلى الوجيه، ولاحق، والغراب، واليحموم، وما أشبه هذه الخيل من المتقدمات. قال زيد الخيل:
جلبنا الخيل من أجإ وسلمىتخب نزائعا خبب الذئاب
جلبنا كل طف أعوجيوسلهبة كخافية العقاب
ثم نرجع إلى التشبيه المصيب؛ قال امرؤ القيس في طول الليل:
كأن الثرا علقت في مصامهابأمراس كتان إلى صم جندل
فهذا في ثبات الليل وإقامته. والمصام: المقام. وقيل للممسك عن الطعام: صائم، لثباته على ذلك، ويقال: صام النهار: إذا قامت الشمس. قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرةذمول إذا صام النهار وهجرا
وقال النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمةتحت العجاج وخيل تعلك اللجما
والأمراس: جمع مرس، وهو الحبل. قال أبو زبيد يرثي غلامه ويذكر تعرضه للحرب:
إما تقارن بك الرماح فلاأبكيك إلا للدلو والمرس
وقال في ثبات الليل:
فيا لك من ليل كأن نجومهبكل مغار الفتل شدت بيذبل
المغار: الشديد الفتل. يقال: أغرت الحبل: إذا شددت فتله. ويذبل: جبل بعينه.
وقال أيضاً:
كأن أباناً في أفانين ودقهكبير أناس في بجاد مزمل
أبان جبل. وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض. قال المهلهلوكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج. وجنب حي من أحيائهم وضيع - فخطبت ابنته ومهرت أدما. فلم يقدر على الامتناع، فزوجها، وقال:
أنكحها فقدها الأراقم فيجنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبهاضرج من أنف خاطب بدم
وقوله: في أفانين ودقه يريد ضروباً من ودقه. والودق: المطر. قال الله ﵎: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾.
وقال عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقهاولا أرض أبقل إبقالها
وقوله:
كبير أناس في بجاز مزمل
يريد مزملاً بثيابه. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ, قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾. وهو المتزمل بثيابه. والتاء مدغمة في الزاي. وإنما وصف
امرؤ القيس الغيث. فقال قوم: أراد أن المطر قد خنق الجبل فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل. وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت. وكلاهما حسن. وذكر الودق لأن تلك الخضرة من عمله.
وقال الراجز يصف غيماً:
أقبل في المستن من ربابهأسنمة الآمال في سحابه
أراد أن ذلك السحاب، ينبت ما تأكله الإبل، فتصير شحومها في أسنمتها.
والرباب سحاب دوين المعظم من السحاب، قال المازني:
كأن الرباب دوين السحابنعام يعلق بالأرجل
وقوله جل وعز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾. أي أعصر عنباً فيصير إلى هذه الحال.
وقال زهير:
كأن فتات العهن في كل منزلنزلن به حب الفنا لم يحطم
الفنا: شجر بعينه، يثمر ثمراً أحمر ثم يتفرق في هيئة النبق الصغار، فهذا من أحسن التشبيه. وإنما وصف ما يسقط من أنماطهن إذا نزلن.
والعهن: الصوف الملون في قول أكثر أهل اللغة. وأما الأصمعي فقال: كل صوف عهن. وكذلك قال أهل اللغة: الحنتم الخزف الأخضر. وقال الأصمعي: كل خزف حنتم. قال القرشي:
من مبلغ الحسناء أن حليلهابميسان يسقى في زجاج وحنتم
وقال جرير:
ما في مقام ديار تغلب مسجدوبها كنائس حنتم ودنان
والتشبيه جار كثيراً في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم، لم يبعد.
قال الله ﷿ وله المثل الأعلى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾. وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. وقد اعترض معترض من الجهالة الملحدين، في هذه الآية. فقال: إنما يمثل الغائب بالحاضر، ورؤوس الشياطين لم نرها، فكيف يقع التمثيل بها! وهؤلاء في هذا القول كما قال الله جل وعز: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾. وهذه الآية قد جاء تفسيرها على ضربين: أحدهما، أن شجراً يقال له الأستن، منكر الصورة يقال لثمره: رؤوس الشياطين، وهو الذي ذكره النابغة في قوله:
تحيد عن أستن سود أسافله
وزعم الأصمعي أن هذا الشجر يسمى الصوم.
والقولم الآخر - وهو الذي يسبق إلى القلب - أن الله جل ذكره شنع صورة الشياطين في قلوب العباد. فكان ذلك أبلغ من المعاينة، ثم مثل هذه الشجرة مما تنفر منه كل نفس.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع