من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك
قال أبو العباس: وحدثت في إسناد متصل أن أبا النجم العجلي أنشد هشاماً:
والشمس قد صارت كعين الأحول
لما ذهب به الروي عن الفكر في عين هشام، فأغضبه، فأمر بطرده، فطرد. فأمل أبو النجم رجعته. فكان يأوي المسجد، فأرق هشام ذات ليلة، فقال لحاجبه: ابغني رجلاً عربياً فصيحاً يحادثني وينشدني. فطلب له ما طلب، فوقف على أبي النجم، فأتى. فلما دخل به إليه قال: أين تكون منذ أقصيناك? قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك? قال: رجلين. كلبياً وتغلبياً. أتغدى عند أحدهما، وأتعشى عند الآخر، فقال له: مالك من الولد? قال: ابنتان. قال: أزوجتهما? قال: زوجت إحداهما. قال: فيم أوصيتها? قال قلت لها ليلة أهديتها:
سبي الحماة وابهتي عليهاوإن أبت فازدلفي إليها
ثم اقترعي بالود مرفقيهاوجددي الحلف به عليها
لا تخبري الدهر بذاك ابنيها
قال: أفأوصيتها بغير هذا? قال: نعم، قالت:
أوصيت من برة قلباً حمرابالكلب خيراً والحماة شرا
لا تسأمي نهكاً لها وضراوالحي عميهم بشر طرا
وإن كسوك ذهباً ودراحتى يروا حلو الحياة مرا
قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بنتي كولده، قال: فما حال الأخرى? قال: قد درجت بين بيوت الحي، وتنفعنا في الرسالة والحاجة، قال: فما قلت فيها? قال: قلت:
كأن ظلامة أخت شيبانيتيمة ووالداها حيان
الرأس قمل كله وصئبانوليس في الرجلين إلا خيطان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال: فقال هشام: يا غلام، ما فعلت بالدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها? قال: ها هي عندي، ووزنها خمسمائة، قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين، أفلا تراه قال:
فهث التي يذعر منها الشيطان
وإن لم يره، لما قرر فيالقلوب من نكارته وشناعته! وقال آخر:
وفي البقل إن لم يدفع الله شرهشياطين يعدو بعضهن على بعض
وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن أو إنس أو سبع أو حية يقال له شيطان، وأن قولهم: تشيطن إنما معناه تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال الراجز:
أبصرتها تلتهم الثعباناشيطانة تزوجت شيطانا
وقال امرؤ القيس:
أتوعدني والمشرفي مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال!
والغول: لم يخبر صادق قط أنه رآها.
ثم نرجع إلى تفسير شعر أبي النجم:
قوله:
سبي الحماة وابهتي عليها
إنما يريد: ابهتيها، فوضع ابهتي في موضع اكذبي فمن ثم وصلها بعلى.
والذي يستعمل في صلة الفعل اللام، لأنها لام الإضافة، تقول: لزيد ضربت ولعمرو أكرمت والمعنى: عمراً أكرمت، وإنما تقديره: إكرامي لعمرو، وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول، لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام. كما قال الله جل وعز: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾. وإن أخر المفعول فهو عربي حسن، والقرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، قال الله جل وعز: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ والنحويون يقولون في قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: إنما هو: ردفكم. وقال كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
وحروف الخفض يبدل بعضها من بعض، إذا وقع الحرفان في معنى في بعض المواضع، قال الله جل ذكره: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، أي على ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت في، لأنها للوعاء، يقال: فلان في النخل. أي قد أحاط به. قال الشاعر:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلةفلا عطست شيبان إلا بأجدعا
وقال الله جل وعز: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أي عليه. وقال ﵎: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: بأمر الله. وقال ابن الطثرية:
غدت من عليه تنفض الطل بعدمارأت حاجب الشمس استوى فترفعا
وقال الآخر:
غدت من عليه بعدما تم خمسهاتصل وعن قيض بزيزاء مجهل
أي من عنده.
وقال العامري:
إذا رضيت علي بنو قشيرلعمر الله أعجبني رضاها
وهذا كثير جداً.
وقوله:
وإن أبت فازدلفي إليها
يقول: تقربي، ومن ذا سميت المزدلفة، قال العجاج:
ناج طواه الأين مما وجفاطي الليالي زلفا فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
يقال: زلفة وزلف، كقولك: غرفة وغرف.
وقوله:
بالكلب خيراً والحماة شرا
كلام معيب عند النحويين، وبعضهم لا يجيزه، وذلك لأنه عطف على عاملين: على الباء وعلى الفعل. ومن قال هذا قال: ضربت زيداً في الدار، والحجرة عمراً.
قال أبو العباس: وكان أبو الحسن الأخفش يراه ويقرأ: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ
الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾. فعطف على إن وعلى في. وقال عدي بن زيد:
أكل امرئ تحسبين امرأونار توقد بالليل نارا
فعطف على كل وعلى الفعل.
وأما قوله:
غدت من عليه بعد ما تم خمسها
فالخمس: ظمء من أظمائها، وهو أن ترد ثم تغب ثلاثاً، ثم ترد، فيبتدأ بيومي وردها مع ظمئها، فيقال: خمس، والربع كحمى الربع.
وقوله: تصل أي تسمع لأجوافها صليلاً من يبس العطش، يقال: المسمار يصل في الباب، إذا أكره فيه، قال جرير يخاطب الزبير بمرثيته في هجائه الفرزدق:
لو كنت حين غررت بين بيوتنالسمعت من وقع الحديد صليلا
ويقال للحمار: المصلصل، إذا أخرج صوته من جوفه حاداً خفياً.
قال الأعشى:
عنتريس تعدو إذا حرك السوط كعدو المصلصل الجوال
وقال المفسرون في قوله ﷿: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾، قالوا: هو الطين الذي قد جف، فإذا قرعه شيء كان له صليل. وتفسير ذلك عند العرب التقن الذي يذهب عنه الماء في الغدران فيتشقق ثم ييبس.
والقيض: قشر البيضة الأعلى؛ والذي يلبس البيضة فيكون ما بينها وبين قشرها الأعلى، يقال له: الغرقئ، يقال: ثوب كأنه غرقئ البيض.
والزيزاء: ما ارتفع من الأرض، وهو ممدود منصرف في المعرفة والنكرة، إذا كان لمذكر، كالعلباء والحرباء، وسنذكر هذا في غير هذا الموضع مفسراً، على أنا قد استقصيناه في الكتاب المقتضب.
والمجهل: الصحراء التي يجهل فيها، فلا يهتدى لسبيلها.
ويقال للشيء إذا غب وتغيرت رائحته، صل واصل، فهو صال ومصل، ويقال: نتن وأنتن. ويقال: خم وأخم، وذاك إذا كان مستوراً حتى يفسد. ويقال إذا عتق اللحم فتغير: خنز وخزن، وبيت طرفة أحسن ما ينشد:
ثم لا يخنز فينا لحمهاإنما يخنز لحم المدخر
ويقال لرب البيت وربة البيت اللذين ينزل بهما الضيف: هي أم مثواه، وهو أبو مثواه، وأنشد أبو عبيدة:
من أم مثوى كريم قد نزلت بهاإن الكريم على علاته يسع
وفي كتاب الله جل وعز: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، معناه عند العرب إضافته.
ومن التشبيه المطرد على ألسنة العرب ما ذكروا في سير الناقة وحركة قوائمها، قال الراجز:
كأنها ليلة غب الأزرقوقد مددنا باعها للسوق
خرقاء بين السلمين ترتقي
قوله: ليلة غب الأزرق، إنما يعني موضعاً، وأحسبه ماء، لأنهم يقولون: نطفة زرقاء، وهي الصافية، قال زهير:
فلما وردنا الماء زرقاً جمامهوضعن عصي الحاضر المتخيم
وقال آخر:
فألقت عصا التسيار عنها وخيمتبأرجاء عذب الماء زرق محافر
وقوله:
وقد مددنا باعها للسوق
يقول: استفرغنا ما عندها في السير، يقال: تبوعت وانباعت، إذا مدت باعها.
وقوله:
خرقاء بين السلمين ترتقي
يقول: لكثرة حركة الخرقاء وقلة حذقها بالصعود.
وقال الآخر:
كأنها نائحة تفجعتبكي بشجو وسواها الموجع
وقال الشماخ:
كأن ذراعيها ذراعا مدلةبعيد السباب حاولت أن تعذرا
من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعتفراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا
بها شرق من زعفران وعنبرأطارت من الحسن الرداء المحبرا
تقول وقد بل الدموع خمارهاأبى عفتي ومنصبي أن أعيرا
كأن بذفراها مناديل قارفتأكف رجال يعصرون الصنوبرا
كأن ابن آوى موثق تحت غرضهاإذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا
شبه يديها بيدي مدلة بجمال ومنصب قد سابت وأقبلت تعتذر وتشير بيديها، فوصف جمالها الذي به تدل؛ ومنصبها المتصل بمن ذكرته.
وقوله:
أطارت من الحسن الرداء المحبرا
يقول: هي مدلة بجمالها، فلا تختمر فتستر شيئاً عن الناظر، لأنها تبتهج بكل ما في وجهها ورأسها.
وقد كشف هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة المخزومي حيث يقول:
فلما تواقفنا وسلمت أقبلتوجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفننيوقلن امرؤ باغ أكل فأوضعا
وقربن أسباب الهوى لمقتليقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا
فقلت لمطريهن ويحك إنماضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا
قوله:
كأن بذفراها مناديل قارفتأكف رجال يعصرون الصنوبرا
يقول: لسواد الذفرى، وهذا من كرمها، قال أوس بن حجر:
كأن كحيلاً معقداً أو عنيةعلى رجع ذفراها من الليت واكف
وهذا معنى يسأل عنه، لأن الليتين صفحتا العنق. والذفرى في أعلى القفا، فيكف يكف على الذفرى من الليت! والمعنى إنما هو كأن كحيلاً معقداً أو عنية واكف على رجع ذفراها.
وقوله: من الليت كقولك: كموضع دجلة من بغداد، إنما هو للحد بينهما، لا أنه وكف من شيء على شيء: وأما قوله:
كأن ابن آوى موثق تحت غرضهاإذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا
يقول: ليست تستقر، فكأن ابن آوى يكلمها بنابيه أو يخلبها بظفره، فهي لا تستقر. وقال أوس بن حجر:
كأن هراً جنيباً تحت غرضتهاوالتف ديك برجليها وخنزير
والغرض والغرضة واحد، وهو حزام الرحل.
وقال آخر:
كأن ذراعيها ذراعا بذيةمفجعة لاقت خلائل عن عفر
سمعن لها واستفرغت في حديثهافلا شيء يفري باليدين كما تفري
قال أبو العباس: أنشدنيهما عبد الصمد بن المعذل، وأنشدنيه سعيد بن سلم. ولو قيل إن هذا من أبلغ ما قيل في هذا الوصف ما كان ذلك بعيداً، وصفها بأنها بذية، وقد فجعت بما أسمعت ونيل منها؛ ولقيت خلائلها بعد زمان وتلك الشكوى كامنة فيها، وأصغين لها فتسمعن.
والفري: الشق، يقال: فرى أوداجه، أي قطع، وفريت الأديم. وإذا قلت: أفريت، فمعناه أصلحت. وقول الحجاج: إني والله ما أهم إلا مضيت ولا أخلق إلا فريت. يقول: إذا قدرت قطعت. يقال: فريت القربة والمزادة، فهما مفريتان، قال ذو الرمة:
كأنه من كلى مفرية سرب
وقال امرؤ القيس:
كأن الحصى من خلفها وأمامهاإذا نجلته رجلها حذف أعسرا
كأن صليل المرو حين تشذهصليل زيوف ينتقدن بعبقرا
قوله: حذف أعسرا يريد أنه يذهب على غير قصد. وقوله: صليل زيوف يقال: إن الزائف شديد الصوت صافيه.
وقال آخر:
كأن يديها يدا ماتحأتى يوم ورد لغب زرودا
يخاف العقاب وفي نفسهإذا هو أنهل ألا يعودا
يقول: هذا الساقي يخاف العقاب إن قصر، ولا عودة له إليه ثانية، فهو يستقي سقية في مرة واحدة.
وقد أكثروا في هذا، فمن الإفراط في السرعة قول ذي الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفريةمسوم في سواد الليل منقضب
يقال: عفرية وعفرية في معنى واحد، والتاء في عفريت زائدة، وهو ملحق بقنديل، يقال: فلان [عفرية زبنية. والزبنية: المنكر، وجمعه زبانية، وأصله من الحركة، يقال: زبنه، إذا دفعه، ويقال]: عفرية نفرية، على التوكيد، [وعفريت نفريت، ويقال: عفارية، ولم يتبع بنفارية].
ومن الإفراط قول الحطيئة:
وإن نظرت يوماً بمؤخر عينهاإلى علم بالغور قالت له ابعد
ومن الإفراط قوله:
بأرض ترى فرخ الحبارى كأنهبها راكب موف على ظهر قردد
ومن ذلك قوله:
وكادت على الأطواء أطواء ضارجتساقطني والرحل من صوت هدهد
وقال آخر:
مروح برجليها إذا هي هجرتويمنعها من أن تطير زمامها
وقال الشماخ:
مروح تغتلي في البيد حرفتكاد تطير من رأي القطيع
وكذلك الأعرابي الذي يقول:
لو ترسل الريح لجئنا قبلها
وقد مضى خبره.
وأملح ما قيل في هذا المعنى وأجوده قول امرئ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتهابمنجرد قيد الأوابد هيكل
فجعله للوحش كالقيد.
وحدثت أن رجلاً نظر إلى ظبية ترود، فقال له أعرابي: أتحب أن تكون لك? قال: نعم، قال: فأعطني أربع دراهم حتى أردها إليك، ففعل، فخرج يمحص في إثرها، فجدت وجد، حتى أخذ بقرنيها، فجاء بها، وهو يقول:
وهي على البعد تلوي خدهاتريغ شدي وأريغ شدها
كيف ترى عدو غلام ردها
قال أبو العباس: ومن حلو التشبيه وقريبه، وصريح الكلام وبلغيه قول ذي الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعتهوقد جللته المظلمات الحنادس
الحندس: اشتداد الظلمة، وهو توكيد لها، يقال: ليل حندس، وليل أليل، كما يقال: ليل مظلم.
وقال الشماخ في صفة الفرس:
مفج الحوامي عن نسور كأنهانوى القسب ترت عن جريم ملجلج
قوله: مفج الحوامي يريد مفرق الحوامي، فالحوامي: نواحي الحافر. والنسور، واحدها نسر، وهي نكتة في داخل الحافر، ويحمد الفرس إذا صلب ذلك منه، ولذلك شبه بنوى القسب، وترت: سقطت. والجريم: المصروم، والملجلج: الذي قد لجلج مضغاً في الفم، ثم قذف لصلابته.
وقوله: مفج ليس يريد الذي هو شديد التفرقة، ولكن الانفصال عن النسر، فإنه إن اتسع واستوى أسفله فذلك الرحح، وهو مذموم في الخيل، وكذلك إن ضاق وصغر قيل له: مضطر، وكان عيباً قبيحاً. قال حميد الأرقط:
لا رحح فيها ولا اضطرارولم يقلب أرضها البيطار
[ولا لحبليه بها حبار]
الحبار: الأثر]. ويروى: ولم يقلم، وتأويل ذلك: أن حوافرها
لا تتشعث فيقلمها البيطار، لأنها إذا كانت كذلك ذهب منها شيء بعد شيء فمحقها. وقال علقمة بن عبدة:
لا في شظاها ولا أرساغها عنتولا السنابك أفناهن تقليم
وإنما يحمد الحافر المقعب، وهو الذي هيئته كهيئة القعب، وإن كان كذلك قيل: حافر وأب. قال ابن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليديتخذ الفأر فيه مغارا
يريد: لو دخل الفأر فيه لصلح، كقول القائل: فأتى بحفنة يقعد عليها عشرة، أي لو عقد عليها عشرة لصلح. وقال الراجز:
وأب حمت نسوره الأوقارا
[يقال: حافر موقور، وهو أن يصيبه داء يشبه الرهصة] وفي كل حافر حاميتان. وهما حرفاه من عن يمين وشمال، ومقدمه السنبك، ومؤخره الدابرة.
مثل قوله: عن جريم ملج قول علقمة بن عبدة:
سلاءة كعصا النهدي غل بهاذو فيئة من نوى قران معجوم
شبهها بالشوكة من شوك النخل؛ لأن الفرس الأنثى يخمد منها أن يدق صدرها وينخرط على امتلاء إلى مؤخرها، والحمام يحمد منهن أن يعرض الصدر ثم ينخرط إلى ذنبه ضموراً، فيقال في صفته: كأنه جلم.
وقوله: كعصا النهدي، يريد في الصلابة، كما قال:
وكل كميت كالهراوة صلدم
وقوله: ذو فيئة من نوى قران يقول: ذو رجعة، يقول: مضغته الإبل فلم
تكسره ثم بعرته صحاحاً. ومعجوم: ممضوغ، يقال: عجمته أعجمه عجماً إذا مضغته، فالعجم، ويقال للنوى من كل شيء: العجم، متحرك الجيم، قال الأعشى:
وجذعانها كلقيط العجم
وقال النابغة:
فظل يعجم أعلى الروق منقبضافي حالك اللون صدق، غير ذي أود
ومثل البيت الأول قول عقبة بن سبق العنزي:
له بين حواشيهنسور كنوى القسب
فهذا تشبيه مقارب جداً.
ومن التشبيه الحسن قول الشاعر:
كأن المتن والشرخين منهخلاف النصل سيط به مشيج
يريد سهماً رمي به فأنفذ الرمية وقد اتصل به دمها، والمتن: متن السهم، وشرخ كل شيء: حده، فأراد شرخي الفوق، وهما حرفاه. والمشيج: اختلاط الدم بالنطفة، وهذا أصله، قال الشماخ:
طوت أحشاء مرتجة لوقتعلى مشج سلالته مهين
وقال الله جل وعز: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. وفي الحديث: "اقتلوا مسان المشركين واستبقوا شرخهم"، أي الشباب، لأن الشرخ الحد، قال حسان بن ثابت:
إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا
قال أبو العباس: وأنشدنا عمرو بن مرزوق. قال أنشدنا شعبة. قال: أنشدنا سماك بن حرب في هذا الحديث:
إن شرخ الشباب تألفه البيضوشيب القذال شيء زهيد
فأما قول الشنفرى:
كأن لها في الأرض نسياً تقصهعلى أمها وإن تحدثك تبلت
فإنما أراد شدة استحيائها، يقول: لا ترفع رأسها، كأنها تطلب شيئاً في الأرض.
والنسي على ضربين: أحدهما ما تقادم عهده حتى ينسى، والآخر ما أضله أهله فيطلب ويطمع فيه. وتقصه: تتبعه، قال الله جل وعز: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره، والأم: القصد.
وقوله: وإن تحدثك تبلت، تقطع الحديث لاستحيائها.
وأنشد بشار بن برد الأعمى قول كثير:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكف تلين
قال: فقال: الله أبو صخر! جعلها عصا، ثم يعتذر لها! والله لو جعلها عصا من مخ أو زبد لكان قد نجنها بالعصا، ألا قال كما قلت:
وبيضاء المحاجر من معدكأن حديثها قطع الجنان
إذا قامت لسبحتها تثنتكأن عظامها من خيزران
والخيزرانة: كل غصن لين يتثنى، ويقال للمردي: خيزرانة؛ إذا كان تثنى إذا اعتمد عليه، قال النابغة:
يظل من خوفه الملاح معتصماًبالخيزرانة بعد الأين والنجد
الأين: الإعياء، والنجد: العرق.
وقد عاب بعض الناس قول كثير:
فما روضة بالحزن طيبة الثرىيمج الندى جثجاثها وعرارها
بمنخرق من بطن واد كأنماتلاقت به عطارة تجارها
بأطيب من أردان عزة موهناًوقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
وحكى الزبيريون أن امرأة مدينية عرضت لكثير فقالت: أأنت القائل هذين البيتين? قال: نعم، قالت: فض الله فاك! أرأيت لو أن زنجية بخرت أردانها بمندل رطب أما كانت تطيب! ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس:
ألم تر أني كلما جئت طارقاًوجدت بها طيباً وإن لم تطيب
قوله: جثجاثها وعرارها الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برية؛ من أحرار البقل؛ قال جرير يهجو خالد عينين العبدي:
كم عمة لك يا خليد وخالةخضر نواجذها من الكراث
نبتت بمنبته فطاب لريحهاونأت عن القيصوم والجثجاث
وإنما هجاه بالكراث، لأن عبد القيس يسكنون البحرين، والكراث من أطعمتهم، والعامة يسمونه الركل والركال، قال أحد العبديين:
ألا حبذا الأحسا وططيب ترابهاوركالها غاد علينا ورائح
وقول كثير: وعرارها فالعرار البهار البري، وهو حسن الصفرة طيب الريح، قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصفــراء العشية كالعراره
وقوله: موهناً يريد بعد هديء من الليل، يقال: أتانا بعد هديء من الليل، وبعد وهن من الليل، أي بعد دخولنا في الليل، وأنشد أبو زيد:
هبت تلومك بعد وهن في الندىبسل عليك ملامتي وعتابي
والمندل: العود. يقال له: المندل والمندلي. قال الشاعر:
أمن زينب ذي النارقبيل الصبح ما تخبو
إذا ما خمدت يلقىعليها المندل الرطب
قال أبو العباس: ذي معناه ذه يقال: ذا عبد الله، وذي أمة الله، وذة أمة الله، وته أمة الله، وتا أمة الله؛ فإذا قلت: هذا عبد الله: فالإسم ذا وها للتنبيه. وعلى هذا القول: هذي أمة الله [وهذه أمة الله]. وإن شئت أسكنت في الوصل فقلت: هذه أمة الله. وإذا قلت: هذهي أمة الله. فالياء زائدة. لأن هذه الهاء لما كانت في لفظ المضمر شبهوها به في زيادة الياء. نحو: مررت بهي يا فتى! ولا يجوز أن تضم الهاء في هذه على قول من قال: مررت بهو، لأن هاء الإضمار أصلها الضم. تقول: رأيتهو يا فتى، ورأيتهم يا فتى! وهذه الهاء ليست من هذه، إنما هي مشبهة وتقول: هاته هند، وهاتي هند، وهاتا هند، على زيادة ها للتنبيه. قال جرير:
هذي التي جدعت تيماً معاطسهاثم اقعدي بعدها يا تيم أو قومي
وقال عمران بن حطان:
وليس لعيشنا هذا مهاهوليست دارنا هاتا بدار
قال أبو العباس: النحويون يثبتون الهاء في الوصل فيقولون: مهاه. وتقديره: فعال. ومعناه اللمع والصفاء. يقال: وجه له مهاه يا فتى! والأصمعي يقول: مهاة. تقديرها حصاة. يجعل الهاء زائدة. وتقديرها في قوله فعلة والمهاة: البلورة. والمهاة: البقرة والوحشية، وجمعها المها..
فإذا صغرت: ذه قلت: تيا، كأنك صغرت تا. ولا تصغر ذه على لفظها، لأنك إذا صغرت ذا قلت: ذيا. فلو صغرت ذي فقلت: ذيا، لالتبس المؤنث بالمذكر، فصغروا ما يخالف فيه المؤنث المذكر.
وهذه، المبهمة يخالف تصغيرها تصغير سائر الأسماء. وسنذكر ذلك فيباب نفرده له إن شاء الله.
عاد القول إلى التشبيه.
أنشدتني أم الهيثم في صفة جمل:
كأن صوت نابه بنابهصرير خطاف على كلابه
أرادت الصريف، وهو أن يحك أحد نابيه بالآخر.
وقوله: صرير خطاف على كلابه فالخطاف ما تدور عليه البكرة. والكلاب ما وليه.
وقد قال النابغة:
مقذوفة بدخيس النخض بازلهاله صريف صريف القعو بالمسد
القعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإن كان من حديد فهو خطاف. وإن دارت على حبل فذلك الحبل يسمى الدرك.
وقوله: مقذوفة يقول: مرمية باللحم. والدخيس: الذي قد ركب بعضه بعضاً. والنخض: اللحم. وبازلها: نابها. ومعنى بزل، وفطر، واحد: وهو أ، ينشق الناب. قال ذو الرمة:
كأن على أنيابها كل سدفةصياح البوازي من صريف اللوائك
يقول: مما تلوكه. ويقال في الغضب: تركت فلاناً يصرف نابه عليك ويحرق ويحرق. ورأيته يعض عليك الأرم، قال زهير في مدح حصن بن حذيفة:
أبي الضيم والنعمان يحرق نابهعليه فأفضى والسيوف معاقله
وقال آخر:
نبئت أحماء سليمى أنماظلوا غضاباً يعلوكون الأرما
وقال بعض النحويين: يعني الشفاة. وقال بعضهم: يعني الأصابع.
فأما قولهم: عض على ناجذه وهو آخر الأسنان، فيكون على وجهين: أحدهما أنه قد احتنك وبلغ، والآخر: أن يكون للإطراق والتشدد.
ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول: إذا لقيتم القوم فاجمعوا القلوب وعضوا على النواجذ، فإن ذلك ينبي السيوف عن الهام.
ثم نعود إلى التشبيه.
قال الراجز:
كأنها حين بناها الباسجنية في رأسها أمراس
بها سكون وبها شماسيخرج منها الحجر الكباس
يمر لا يحبسه حباسلا نافذ الطعن ولا تراس
يصف المنجنيق. والأمراس: الحبال، والواحد مرس. والكباس: الضخم. يقال: هامة كبساء يا فتى؛ ورأس أكبس. والحباس: الذي من شأنه أن يحبس. يقال: رجل ضارب للذي يضرب، كثيراً كان منه ذلك أو قليلاً، فإذا قلت: ضراب وقتال، فإنما يكثر الفعل، ولا يكون للقليل.
قال الراجز:
أخضر من معدن ذي قساسكأنه في الحيد ذي الأضراس
يرمى به في البلد الدهاس
يصف معولاً. وذو قساس: معدن للحديد الجيد، وهو يقرب من بلاد بني أسد. والحيد: ما أشرف من الجبل أو غير ذلك، يقال للطنف حيد، وهو الذي يسميه أهل الحضر الإفريز؛ يقال طنف حائطك، ويقال للناتئ في وسط الكتف: حيد وعير، وكذا الناتئ في القدم. وقوله: ذي الأضراس يريد الموضع الضرس الخشن ذا الحجارة. فيقول: هذا المعوللحدته يقع في الخشونة فيهدمها كما يهدم الدهاس. والدهاس: ما لآن من الرمل. قال دريد بن الصمة في يوم حنين: أين مجتلد القوم? فقالوا: بأوطاس. فقال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا لين دهس!
وقال العجاج يصف حماراً:
كأن في فيه إذا ما شحجاعوداً دوين اللهوات مولجا
هذا يصف العير الوحشي الذي قد أسن تراه لا يشتد نهيقه، وكأنه يعالجه علاجاً. قال الشماخ:
إذا رجع التعشير شجاً كأنهبناجذه من خلف قارحه شجي
فأما قول عنترة:
بركت على ماء الرداع كأنمابركت على قصب أجش مهضم
فإنما يصف الناقة ويذكر حنينها. يقال إنه يخرج منها كأشجى صوت، فإنما شبهه بالزمير، وأراد القصب الذي يزمر به. قال الأصمعي: هو الذي يقال له بالفارسية ناي. قال الراعي يصف الحادي:
زجل الحداء كأن في حيزومهقصبا ومقنعة الحنين عجولا
المقنع: الرافع رأسه، في هذا الموضع، ويقال في غيره: الذي يحط رأسه استخذاء وندماً؛ قال الله جل وعز: ﴿مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾. ومن قال هو الرافع رأسه: فتأويله عندنا أن يتطاول فينظر ثم يطأطئ رأسه، فهو بعد يرجع إلى الإغضاء والإنكسار.
والبعير يحن كأشد الحنين إلى ألافه إذا أخذ من القطيع. قال: وأكثر ما يحن عند العطش. قال الشاعر:
وتفرقوا بعد الجميع لنيةلا بد أن يتفرق الجيران
لا تصبر الإبل الجلاد تفرقتبعد الجميع ويصبر الإنسان
وقال آخر:
وهل ريبة في أن تحن نجيبةإلى إلفها أو أن يحن نجيب!
وإذا رجعت الحنين كان ذلك أحسن صوت يهتاج له المفارقون، كما يهتاجون لنوح الحمام، ولالتياح البروق.
وقال عوف بن محلم، وسمع نوح حمامة:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإننيبكيت زماناً والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غربة دار زينبفها أنا أبكي والفؤاد قريح!
وكل مطوقة عند لعرب حمامة، كالدبسي والقمري والورشان، وما أشبه ذلك؛ قال حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامةدعت ساق حر ترحة وترنما
إذا شئت غنتني بأجزاع بيشةأو النخل من تثليث أو بيلملما
مطوقة خطباء تسجع كلمادنا الصيف وانجال الربيع فأنجما
محلاة طوق لم يكن من تميمةولا ضرب صواغ بكفيه درهما
تغنت على غصن عشاء فلم تدعلنائحة في شجوها متلوما
إذا حركته الريح أو مال ميلةتغنت عليه مائلاً ومقوما
عجبت لها أنى يكون غناؤهافصيحاً ولم تفغر بمنطقها فما!
فلما أر مثلي شاقه صوت مثلهاولا عربيا شاقه صوت أعجما
وقال ابن الرقاع وذكر حمامة:
[قال أبو الحسن الأخفش: الصحيح أنه لنصيب]:
ومما شجاني أنني كنت نائماًأعلل من برد الكرى بالتنسم
إلى أن بكت ورقاء في غصن أيكةتردد مبكاها بحسن الترنم
فلو قبل مبكاها بكيت صبابةبليلى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهاج لي البكابكاها فقلت الفضل للمتقدم
أما قول حميد دعت ساق حر فإنما حكى صوتها، ويقال للواحد ذكراً كان أو أنثى: حمامة، والجمع الحمام، والحمامات، فإذا كان ذكراً قلت هذا حمامة، وإذا كانت أنثى قلت هذه حمامة. وكذلك هذا بطة وهذه بطة. ويقال بقرة للذكر والأنثى، ودجاجة لهما، فإذا قلت: ثور، أو ديك بينت الذكر، واستغنيت عن تقديم التذكير.
ويقال للحمامة: تغنت وناحت، وذاك أنه صوت حسن غير مفهوم، فيشبه مرة بهذا ومرة بهذا، قال قيس بن معاذ:
ولو لم يشقني الظاعنون لشاقنيحمائم ورق في الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوىنوائح ما تجري لهن دموع
وقوله: وانجال الربيع يقال؛ انجال عنا، أي أقلع، ومثل ذلك أنجم عنا. وإن قلت: أثجم فمعناه لزم ووقع، فهو خلاف أنجم. وإن قلت: انجاب فمعناه انشق. يقال: المجوب للحديدة التي يثقب بها المسيب. ويقال: جبت البلاد أي دخلتها وطوقتها. وفي القرآن: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي شقوه.
وقوله: لم يكن من تميمة التميمة المعاذة وقد مضى هذا.
وقوله: وما تفغر بمنطقها فما. يقول: لم تفتح. يقال: فغرفاه. إذا فتحه.
وقوله:
ولا عربياً شاقه صوت أعجما
يقول: لم أفهم ما قالت، ولكني استحسنت صوتها واستحزنته، فحننت له.
ويروى أن بعض الصالحين كان يسمع الفارسية تنوح ولا يدري ما تقول. فيبكيه ذلك ويرققه. ويذكر به غي ما قصدت له.
قال أبو العباس: وحدثت أن بعض المحدثين سمع غناء بخراسان بالفارسية فلم يدر ما هو. غير أنه شوقه لشجاه وحسنه. فقال في ذلك:
حمدتك ليلة شرفت وطابتأقام سهادها ومضى كراها
سمعت بها غناء كان أولىبأن يقتاد نفسي من غناها
الغناء، الأول: المدود من الصوت. والذي ذكره بعد في القافية: من المال مقصور:
ومسمعه يحار السمع فيهاولا تصممه لا يصمم صداها
مرت أوتارها فشفت وشاقتفلو يسطيع حاسدها فداها
ولم أفهم معانيها ولكنورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنىبحب الغانيات وما يراها
[وقال عبد بني الحسحاس:
وراهن ربي مثل ما قد وريننيوأحمى على أكبادهن المكاويا]
قال أبو العباس: والشيء يذكر بالشيء وإن كان دونه فنجري لاحتواء الباب والمعنى عليهما.
وفي شعر حميد هذا ما هو أحكم مما ذكرنا وأوعظ، وأحرى أن يمثل به الأشراف، وتسود به الصحف، وهو قوله:
أرى بصري قد رابني بعد صحةوحسبك داء أن تصح وتسلما
ولا يلبث العصران يوم وليلةإذا طلبا أن يدركا ما تيمما
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "كفى بالسلامة داء".
ثم نرجع إلى التشبيه.
قال أبو العباس: والعرب تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه: وهو أخشن الكلام.
فمن التشبيه المفرط المتجاوز، قولهم للسخي: هو كالبحر. وللشجاع: هو كالأسد. وللشريف: سما حتى بلغ النجم. ثم زادوا فوق ذلك. من ذاك قول بعضهم وهو بكر بن النطاح، يقوله لأبي دلف القاسم بن عيسى:
له همم لا منتهى لكبارهاوهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودهاعلى البر صار البر أندى من البحر
ولو أن خلق الله في مسك فارسوبارزه كان الخلي من العمر
وقد قيل: أن امرأة عمران بن حطان قالت له: أما زعمت أنك لم تكذب في شعر قط! قال: أو فعلت? قالت: أنت القائل:
فهناك مجزأة بن ثوركان أشجع من أسامة
أفيكون رجل أشجع من الأسد! قال: فقال: أنا رأيت مجزأة بن ثور فتح مدينة، والأسد لا يفتح مدينة.
ومن عجيب التشبيه في إفراط، غير أنه خرج من كلام جيد وعني به رجل جليل، فخرج من باب الاحتمال إلى باب الاستحسان، ثم جعل لجودة ألفاظه وحسن رصفه، واستواء نظمه، في غاية ما يستحسن قول النابغة يعني حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهموكيف بحصن والجبال جنوح
ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزلنجوم السماء والأديم صحيح
فعما قليل ثم جاء نعيهفظل ندي الحي وهو ينوح
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد النظم ما قد ذكرناه، وهو قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
ويروى عن الأصمعي أنه رأى رجلاً يختال في أزير في يوم قر في مشيته. فقال له: ممن أنت يا مقرور? فقال: أنا ابن الوحيد، أمشي الخيزلى، ويدفئني حسبي.
وقيل لآخر في هذه الحال: أما يوجعك البرد? فقال: بلى والله، ولكن أذكر حسبي فأدفأ.
وأصوب منهما قول العريان الذي سئل في يوم قر عما يجد، فقال: ما علي منه كبير مؤونة. فقيل: وكيف ذلك ? فقال: دام بي العري، فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم!
ومن التشبيه القاصد الصحيح، قول النابغة:
وعيد أبي قابوس في غير كنههأتاني ودوني راكس فالضواجع
فبت كأني ساورتني ضئيلةمن الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من نوم العشاء سليمهالحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمهاتطلقه طوراً وطوراً تراجع
فهذه صفة الخائف المهموم. ومثل ذلك قول الآخر:
تبيت الهموم الطارقات يعدننيكما تعتري الأوصاب رأس المطلق
والمطلق هو الذي ذكره النابغة في قوله:
تطلقه طوراً وطوراص تراجع
وذاك أن المنهوش إذا ألح الوجع به تارة، وأمسك عنه تارة، فقد قارب أن يوأس من برئه.
وإنما ذكر خوفه من النعمان وما يعتريه من لوعة، في إثر لوعة، والفترة بينهما، والخائف لا ينام إلا غراراً، فلذلك شبهه بالملدوغ المسهد.
وقوله:
لحلي النساء في يديه قعاقع
لأنهم كانوا يعلقون حلي النساء على الملدوغ. يزعمون أن ذلك من أسباب البرء، لأنه يسمع تقعقعها النوم فلا ينام، فيدب السم فيه. ويسهد لذلك.
وقال الآخر:
كأن فجاج الأرض وهي عريضةعلى الخائف المطلوب كفة حابل
يؤتى إليه أن كل ثنيةتيممها ترمي إليه بقاتل
يقال لكل مستطيل كفة. يقال كفة الثوب لحاشيته، وكفة الحابل، إذا كانت مستطيلة. ويقال لكل شيء مستدير كفة، ويقال: ضعه في كفة الميزان، فهذه جملة هذا وكفة الحابل، يعني صاحب الحبالة التي ينصبها للصيد.
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه، فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيرانناإذ أنا في الدار كأني حمار
فإما أراد الصحة، فهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله جل وعز وهذا البين الواضح: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ والسفر الكتاب، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ في أنهم قد تعاموا عنها. وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها، حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها.
وهجا مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة قوماً من رواة الشعر بأنهم لا يعلمون ما هو، على كثرة استكثارهم روايته، فقال:
زوامل للأشعار لا علم عندهمبجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدابأوساقه أو راح ما في الغرائر
والتشبيه كما ذكرنا من أكثر كلام الناس. وقد وقع على ألسن الناس من التشبية المستحسن عندهم, وعن أصل أخذوه أن يشبهوا عين المرأه في الكحل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحد السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضة، والساق بالجمار. فهذا كلام جار على الألسن.
وقد قال سراقة بن مالك بن جعشم: فرأيت رسول الله ﷺ وساقاه ناديتان في غرزه كأنهما جمارتان، فأرده فوقعت في مقنب من خيل الأنصار، فقرعوني بالرماح، وقالوا: أين تريد?
وقال كعب بن مالك الأنصاري: وكان رسول الله ﷺ إذا سر تبلج وجهه فصار كأنه البدر.
وعين الإنسان مشبهة بعين الظبي والبقرة في كلامهم المنثور، وشعرهم المنظوم، من جاري ما تكلمت به العرب، وكثر في أشعارها، قال الشاعر:
فعيناك عيناها وجيدك جيدهاولكن عظم الساق منك رقيق
وقال ذو الرمة:
أرى فيك من خرقاء يا ظبية اللوىمشابه جنبت اعتلاق الحبائل
فعيناك عيناها وجيدك جيدهاولونك إلا أنها غير عاطل
وقال آخر:
فلم ترعيني مثل سرب رأيتهخرجن علينا من زقاق ابن واقف
طلعن بأعناق الظباء أعين الجآذر وامتدت بهن الروادف
ويقال للخطيب: كأن لسانه مبرد. فهذا الجاري في الكلام، كما يقال للطويل: كأنه رمح. ويقال للمهتز للكرم: كأنه غصن تحت بارح.
ومن عجيب التشبيه قول القائل:
لعينك يوم البين أسرع واكفاًمن الفنن الممطور وهو مروح
وذاك أن الغصن يقع المطر في ورقه فيصير منها في مثل المداهن، فإذا هبت به الريح لم تلبثه أن تقطره.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع