تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

طرائف من تشبيهات المحدثين

ثم نذكر بعد هذا طرائف من تشبيه المحدثين وملاحاتهم، فقد شرطناه في أول الباب، إن شاء الله.

قال أبو العباس: ومن أكثرهم تشبيهاً، لاتساعه في القول، وكثرة ثقبه، واتساع مذهبه الحسن بن هانئ، قال في مديحه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك:

وكنا إذا ما الحائن الجد غرهسنا برق غاو أو ضجيج رعاد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»
تردى له الفضل بن يحيى بن خالدبماضي الظبا أزهاه طول نجاد
أما خميس أرجوان كأنهقميص محوك من قناً وجياد
فما هو إلا الدهر يأتي بصرفهعلى كل من يشقى به ويعادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

قوله: الحائن الجد يقال: حان الرجل، إذا دنا موته، ويقال: رجل حائن، والمصدر الحين. والجد: الحظ، والجد والجدة، مفتوحان، فإذا أردت المصدر من جددت في الأمر، قلت: أجد جداً مكسور الجيم، ويقال: جددت النخل أجده جداً وجداداً إذا صرمته. ويقال: جذذته جذاً. وتركت الشيء جذاذاً، إذا قطعته قعاً. ويروى هذا البيت لجرير على وجهين:

آل المهلب جذ الله دابرهمأضحوا رماداً فلا أصل ولا طرف
للشاعر جرير، من قصيدة «انظر خليلي بأعلى ثرمداء ضحى»

ويروى جد، وقرأ بعض القراء: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فأما قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً﴾ فلم يقرأ بغيره. ويقال: كم جذاذ نخلك. أي كم تصرم منها. ويروى من قول الله جل وعز: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ عن أنس بن

مالك: "غنى ربنا". وقرأ سعيد بن جبير: "جدا ربنا". ولو قرأ قارئ "جدا ربنا" على معنا: جد ربنا لم يقرأ به لتغير الخط، وكذا قراءة سعيد مخالفة الخط.

وهذا الشعر ينشد بالكسر:

أجدك لم تغتمض ليلةفترقدها مع رقادها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أجدك لم تغتمض ليلة»

ومثله:

أجدك لم تسمع وصاة محمدرسول الإله حين أوصى وأشهدا

لأن معناه أجداً منك، على التوقيف، وتقديره في النصب: أتجد جداً، ويقال: امرأة جداء، إذا كانت لا ثدي لها، فكأنه قطع منها، لأن أصل الجد القطع، ويقال: بلدة جداء، إذا لم تكن بها مياه. قال الشاعر:

وجداء ما يرجى بها ذو هوادةلعرف ولا يخشى السماة ربيبها

القرابة والهوادة في المعنى واحدة. قال أبو الحسن: السماة هم الصادة نصف النهار، وروي عن بعض أصحابنا، عن المازني قال: إنما سمي سامياً بالمسماة، وهو خف يلبسه لئلا يسمع الوحض وطأه، وهو عندي من سما للصيد.

ينشد هذا البيت:

أبى حبي سليمى أن يبيداوأصبح حبلها خلقاً جديد

يقول: أصبح خلقاً مقطوعاً، لأن جديداً في معنى مجدود أي مقطوع، كما تقول: قتيل ومقتول وجريح ومجروح.

ويقال في غير هذا المعنى: رجل مجدود، إذا كان ذا خطر وحظ، وفي الدعاء "ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي من كان له حظ في دنياه لم يدفع ذلك عنه ما يريد الله به. ولو قال قائل: ولا ينفع ذا الجد منك الجد - يريد الاجتهاد - لكان وجهاً.

وقوله: سنا برق غاو والسنا: من الضياء مقصور. قال الله جل وعز: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. والسناء: من المجد ممدود. وقال الشاعر:

وهم قوم كرام الحي طراًلهم خول إذا ذكر السناء

وضربه الحسن ههنا مثلاً وجمع الرعد فقال: رعاد، كقولك: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.

وقوله: بماضي الظبي. ظبة كل شيء حده، يقال: وخزه بظبة السيف، يراد بذلك حد طرفه.

وقوله: أزهاه طول نجاد، النجاد: حمائل السيف، وأزهاه: رفعه وأعلاه، والرجل يمدح بالطول، فلذلك يذكر طول حماله. قال مروان بن أبي حفصة يمدح المهدي:

قصرت حمائله عليه فقلصتولقد تأنق قينها فأطالها

وقال الحسن بن هانئ يمدح محمداً الأمين:

سبط البنان إذا احتبى بنجادهغمر الجماجم والسماط قيام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»

وقال جرير للفرزدق:

تعالوا ففاتونا ففي الحكم مقنعإلى الغر من أهل البطاح الأكارم
فإني لأرضى عبد شمس وما قضتوأرضى الطوال البيض من آل هاشم

وقال الآخر:

لما التقى الصفان واختلف القنانهالا وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن القماءة ذلةوأن أشداء الرجال طوالها

وقوله: أمام خميس، الخميس ههنا: الجيش، وكذلك قال ربيئة أهل خيبر، لما أطل رسول الله ﷺ عليهم: محمد الخميس، أي والجيش. وقال الشاعر، وهو طرفة:

وأي خميس لا أفأنا تهابهوأسيافنا يقطرن من كبشه دما

أفأنا: رددنا. يقال: أفاءه يفيء إذا رد. والأرجوان: الأحمر. قال الشاعر:

عشية غادرت خيلي حميداًكأن عليه حلة أرجوان

والجياد: الخيل. وفي القرآن: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾.

ومن تشبيهه الجيد في هذا الشعر الذي ذكرنا قوله:

ترى الناس أفواجاً إلى باب دارهكأنهما رجلا دبى وجراد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»
فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنىويوم رقاب بوكرت لحصاد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

ومن التشبيه الجيد قوله:

فكأني بما أزين منهاقعدي يزين التحكيما

وكان سبب هذا الشعر أن الخليفة تشدد عليه من شرب الخمر، وحبسه من أجل ذلك حبساً طويلاً، فقال:

أيها الرائحان باللوم لومالا أذوق المدام إلا شميما
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها الرائحان باللوم لوما»
نالني بالملام فيها إماملا أرى لي خلافه مستقيما
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها الرائحان باللوم لوما»
فاصرفاها إلى سواي فإنيلست إلا على الحديث نديما
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها الرائحان باللوم لوما»
كبر حظي منها إذا هي دارتأن أراها وأن أشم النسيما
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها الرائحان باللوم لوما»
فكأني بما أزين منهاقعدي يزين التحكيما
لم يطق حمله السلاح إلى الحرب فأوصى المطيق ألا يقيما

فهذا المعنى لم يسبقه إليه أحد.

قال: وحدثت أن العماني الراجز أنشد الرشيد في صفة فرس:

كأن أذنيه إذا تشوفاقادمة أو قلماً محرفا

فعلم القوم كلهم أنه قد لحن، ولم يهتد منهم أحد لإصلاح البيت إلا الرشيد. فإنه قال له: قل: تخال أذنيه إذا تشوفا. والراجز وإن كان لحن فقد أحسن التشبيه.

ويروي أن جريراً دخل إلى الوليد، وابن الرقاع العاملي عنده ينشده القصيدة التي يقول فيها:

غلب المساميح الوليد سماحةوكفى قريش المعضلات وسادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّماً فاعْتَادَهَا»

قال جرير: فحسدته على أبيات منها، حتى أنشد في صفة الظبية:

تزجي أغن كأن إبرة روقه

قال: فقلت في نفسي: وقع والله، ما يقدر أن يقول أو يشبه به، قال: فقال:

قلما أصاب من الدواة مدادها

قال: فما قدرت حسداً له أن أقيم حتى انصرفت.

ومن التشبيه الحسن الذي نستطرفه قوله:

تعاطيكها كف كأن بنانهاإذا اعترضتها العين صف مداري
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «أَضَلاَلُ لَيْلٍ سَاقِطٍ أَكْنَافُهُ»

ومن التشبيه المليح قوله:

وكأن سلمى إذ تودعناوقد اشرأب الدمع أن يكفا
رشأ تواصين القيان بهحتى عقدن بأذنه شنفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حلت سعاد وأهلها سرفا»

وفي هذا الشعر من التشبيه الجيد قوله:

خير فؤادك أو ستخبرهقسماً لينتهين أو حلفا
الحب ظهر أنت راكبهفإذا صرفت عنانه انصرفا

ومن التشبيه الجيد قوله:

إليك رمت بالقوم خوص كأنماجماجمها فوق الحجاج قبور
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «إليك رمت بالقوم خوص كأنما»

وله أيضاً:

سأرحل من قود المهارى شملةمسخرة ما تستحث بحادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»
مع الريح ما راحت فإن هي أعصفتنهور برأس كالعلاة وهادي

العلاة: السندان، قال جرير:

أيفخر بالمحمم قين ليلىوبالكير المرقع والعلاة
للشاعر جرير، من قصيدة «تعللنا أمامة بالعدات»

وقال الحسن بن هانئ في صفة السفينة:

بنيت على قدر ولاءم بينهاطبقان من قير ومن ألواح
فكأنها والماء ينطح صدرهاوالخيزرانة في يد الملاح
جون من العقبان يبتدر الدجىيهوي بصوت واصطفاق جناح

وقال في شعر آخر، يصف الخمر، ويذكر صفاءها ورقتها، وضياءها وإشراقها:

إذا عب فيها شارب القوم خلتهيقبل في داج من الليل كوكبا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أعاذل أعتبت الإمام وأعتبا»

فأما قوله:

بنينا على كسرى سماء مدامةجوانبها محفوفة بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحهإذاً لاصطفاني دون كل نديم
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «بيننا على كسرى سماء مدامة»

فإنما كانت صورة كسرى في الإناء. وقوله:

جوانبها محفوفة بنجوم

فإنما يريد ما تطوق به من الزبد.

وقد قال في أخرى.

[أول الشعر من غير الأم:

ودار ندامى خلفوها وأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرىوأضعاث ريحان جني ويابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
حبست بها صحبي فألفت شملهموإني على أمثال تلك لحابس]
أقمنا بها يوماً ويوماً وليلةويوماً له يوم الترحل خامس
تدار علينا الراح في عسجديةحبتها بأنواع التصاوير فارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
قرارتها كسرى وفي جنباتهامهاً تدريها بالقسي الفوارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
فللخمر ما ذرت عليه جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس

العسجدية: منسوبة إلى العسجد، وهو الذهب.

وقال المثقب العبدي:

قالت ألا تشتري ذاكمإلا بما شئنا ولم يوجد
إلا ببدري ذهب خالصكل صباح آخر المسند
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «هل عند غان لفؤاد»
من مال من يجني ويجني لهسبعون قنطاراً من العسجد
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «هَلْ عند غانٍ لِفؤادٍ صَدِ»

وقوله: تدريها أي تختلها. يقال: دريت الصيد. إذا ختلته. قال الأخطل:

وإن كنت قد أقصدتني إذ رميتنيبسهمك والرامي يصيد وما يدري

وقال الحسن بن هانئ:

ما حطك الواشون من رتبةعندي ولا ضرك مغتاب
كأنما أثنوا ولم يعلمواعليك عندي بالذي عابوا

وهذا المعنى عندي مأخوذ من قول النعمان بن المنذر لحجل بن نضلة، وقد ذكر معاوية بن شكل، فقال: أبيت اللعن! إنه لقعو الأليتين، مقبل النعلين، فجج الفخذين، مشاء بأقراء، تباع إماء، قتال ظبآء. فقال النعمان: أردت أن تذيمه فمدهته.

قوله: مقبل النعلين، يقول: لنعله قبال. ينسبهإلى الترفه. وتباع إماء، وقتال ظباء، من ذلك.

والقعو: ما تدور فيه البكرة إذا كان من خشب.

وقوله: تذيمه معناه تذمه. يقال: ذمه يذمه ذماً وذامه يذيمه ذيماً، وذأمه يذأمه ذأما. والمعنى واحد، قال الله ﵎: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً﴾.وقال الحارث بن خالد المخزومي لعبد الملك:

صحبتك إذ عيني عليها غشاوةفلما انجلت قطعت نفسي أذيمها
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

وقوله: فمدهته يريد مدحته. فأبدل من الحاء هاء، لقرب المخرج، وبنو سعد بنزياد مناة بن تميم كذلك تقول: ولخم ومن قاربها.

قال رؤبة:

لله در الغانيات المدَّهسبحن واسترجعن من تألهي
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

يريد المدح، وفي هذه الأرجوزة:

براق أصلاد الجبين الأجله

يريد الأجلح، والعرب تقول: جلح الرجل جلحاً، وجله يجله جلهاً، وجلي يجلي جلى، والمعنى واحد، قال العجاج:

مع الجلا ولائح القتير

ومثل بيت الحسن وكلام النعمان قول عمرو بن معد يكرب:

كأن محرشاً في بيت سعدييعل بعيبها عندي شفيع

وفي قصيدة الحسن هذه:

إن جئت لم تأت وإن لم أجئجئت، فهذا منك لي داب!
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إني لما سمت لركاب»
كأنما أنت وإن كنت لاتكذب في الميعاد كذاب

وهذا كلام طريف.

ومن حسن تشبيه المحدثين قول بشار بن برد العقيلي:

وكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
وتخال ما جمعت عليهبنانها ذهباً وعطرا

وهذا التشبيه الجامع.

ونظيره في جمع شيئين لمعنيين ما ذكرت لك من قول مسلم بن الوليد:

كأن فيسرجه بدراً وضرغاما

ومن حسن التشبيه من قول المحدثين قول عباس بن الأحنف:

أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
صرت كأني ذبالة نصبتتضيء للناس وهي تحترق
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة

فهذا حسن في هذا جداً.

ومن حسن ما قالوا في التشبيه قول إسماعيل بن القاسم، أبي العتاهية للرشيد:

أمين الله أمنك خير أمنعليك من التقى فيه لباس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»
تساس من السماء بكل فضلوأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روحله جسد وأنت عليه راس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»

وقد أخذ هذا المعنى علي بن جبلة، فقال في مدحه حميد بن عبد الحميد، وزاد في الشرح والترتيب، فقال:

يرتق ما يفتق أعداؤهوليس يأسو فتقة آسي
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فالناس حسم وإمام الهدىرأس وأنت العين في الراس

والعرب تختصر في التشبيه، وربما أومأت به إيماء، قال أحد الرجاز:

بتنا بحسان ومعاه تئطما زلت أسعى بينهم وألتبط
حتى إذا كاد الظلام يختلطجاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط!

يقول في لون الذئب، واللبن إذا جهد وخلط بالماء ضرب إلى الغبرة، وأنشد الأصمعي:

وتشربه محضاً وتسقي عيالهاسجاجاً كأقراب الثعالب أورقا

السجاج: الرقيق الممذوق. والقربان: الجنبان، والواحد قرب، والجميع أقراب، من ذلك قول عمر بن الخطاب ﵀ لرسول الله ﷺ وقد شاور في رجل جنى جناية، وجاء قومه يشفعون له، فشفع له قوم آخرون، فقال له عمر: يا رسول الله، أرى أن توجع قربيه، فقال القوم: يا رسول الله، إنك لن تشتد على أمتك بقول عمر: فنزل إليه جبرائيل ﵇ فقال له ثلاثاً: يا محمد، القول قول عمر، شد الإسلام بعمر. فخرج رسول الله ﷺ فضرب الرجل.

والأورق: لون بين الخضرة والسواد، يقال: جمل أورق بين الورقة، وهو الأم ألوان الإبل عند العرب وأطيبها لحماً.

ومن مليح التشبيه للمحدثين قول عبد الصمد بن المعدل في صفة العقرب:

تبرز كالقرنين حين تطلعهتزحله مراً ومراً ترجعه
في مثل صدر السبت خلق تفظعهأعصل خطار تلوح شعه
أسود كالسبجة فيه مبضعهلا تصنع الرقشاء ما لا يصنعه

وفي هذه الأرجوزة أيضاً:

بات بها حين حبيش يتبعهوبات جذلان وثيراً مضعه
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
ذا سنة آمن ما يروعهحتى دنت منه لحتف تزمعه
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
فاظت تجم سمها وتجمعهيا بؤس للمودعه ما يودعه
فشرعت أم الحمام إصبعهأنحت عليه كالشهاب تلذعه
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
عطك سربال حرير تخلعهفكل خل ظاهر تفجعه
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
يزداد من بغت الحمام جزعهواليأس من تيسيره توقعه
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

وكذلك قال يزيد بن ضبة أو يزيد بن الصمة.

قال أبو الحسن: شك العباس في أنه لأحدهما، أعني هذا البيت:

وكنهم بانوا ولم أدر بغتةوأفظع شيء حين يفجؤك البغت

ومن أحسن التشبيه ومليحه قول رجل يهجو رجلاً برثاثة الحال:

يأتيك في جبة محرقةأطول أعمار مثلها يوم
وطيلسان كالآل يلبسهعلى قميص كأنه غيم
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

والتشبيه كثير، وهو باب كأنه لا آخر له، وإنما ذكرنا منه شيئاً لئلا يخلو هذا الكتاب من شيء من المعاني.

ونختم ما ذكرنا من أشعار المحدثين ببيتين أو ثلاثة من الشعر الجيد، ثم نأخذ في غير هذا الباب إن شاء الله. قال طفيل:

تقريبه المرطى والجون معتدلكأنه سبد بالماء مغسول

السبد: طائر بعينه. وقد قالوا: الخصفة التي توضع عند البئر، وهو بالطائر أشبه، وإنما أراد العرق في هذا الوقت. وخير الخيل ما لم يسرع عرقه ولم يبطئ، فإذا جاء ف وقته شمله.

قال الراجز:

كأنه والطرف منه ساميمشتمل جاء من الحمام

وقال الأعشى:

يعادي النحوص ومسحلهاوعفوهما قبل أن يستجم

النحوص، جماعها نحص، وهي التي لم تحمل في عامها. والمسحل: العير. والعفو: الولد وجمعه عفاء، فاعلم؛ وهو أسعى له إذا لم يكن لعامه. ويستحم: يعرق. وفي حديث أم زرع: مضجعه كمسل الشطبة وتكفيه ذراع التجفرة، ومعناه أنه خميص البطن، وهذا تمدح به العرب وتستحسنه، فأما قول متمم بن نويرة:

فتى غير مبطان العشيات أروعا

فإما أراد أنه لا يستعجل بالعشاء لانتظاره الضيف؛ كما قال:

وضيف إذا أرغى طروقاً بعيرهوعان نآه الغل حتى تكنعا

وقالوا في قول الخنساء:

يذكرني طلوع الشمس صخراًوأذكره لكل غروب شمس
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

قالوا: أرادت بطلوع الشمس وقت الغارة، وبغروب الشمس وقت الأضياف.

وقال رجل لبعض أهله: والله ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيداً، ولا بأرسح فتكون فارساً: وقال رجل من بني أسد لرجل من قيس: والله ما فتقت فتق السادة، ولا مطلت مطل الفرسان.

فهذه كلها نعوت قد عرفت لقوم حتى كأنها سمات لهم، وكانوا يقولون: ينبغي أن يكون الفارس مهفهف الخصرين، متوقد العينين، حمش الذراعين. وأنشد الأصمعي:

كأنما ساعداه ساعد ذيب

قالوا: ومن نعت السيد أن يكون لحيماً، ضخم الهامة، جهير الصوت، إذا خطا أبعد، وإذا تؤمل ملأ العين؛ لأن حقه أن يكون في صدر مجلس، أو ذروة منبر، أو منفرداً في موكب.

وكانوا يقولون في نعت السيد: يملأ العين جمالاً، والسمع مقالاً.

وقال أبو علي دعبل بن علي في رجل نسبه إلى السؤدد، يقوله لمعاذ بن جبل بن سعيد الحميري، وهو من ولد حميد بن عبد الرحمن الفقيه:

فإذا جالسته صدرتهوتنحيت له في الحاشيه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «فإذا جالسته صدرته»
وإذا سايرته قدمتهوتأخرت مع المستأنيه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «فإذا جالسته صدرته»
وإذا ياسرته صادفتهسلس الخلق سليم الناحيه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «فإذا جالسته صدرته»
وإذا عاسرته صادفتهشرس الرأي أبياً داهيه
فاحمد الله على صحبتهوأسأل الرحمن منه العافيه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «فإذا جالسته صدرته»

وهذا المعنى قد أجمله جرير في قوله:

بشر أبو مروان إن عاسرتهعير وعند يساره ميسور
للشاعر جرير، من قصيدة «يا صاحبي هل الصباح منير»

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.