تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

من أخبار من وقفوا على القبور

قال أبو العباس: ووقف حبار بن سلمى على قبر عامر بن الطفيل، ولم يكن حضره، فقال: أنعم صباحاً أبا علي! فوالله لقد كنت سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من النجم، وأجرى من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن تجعلوا قبر أبي علي ميلاً في ميل!

وذكر الحرمازي أن الأحنف بن قيس لما مات، وكان موته بالكوفة، مشى المصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سيد العرب، فلما دفن قامت امرأة على قبره - أحسبها من بني منقر - فقالت: لله درك من مجن في جنن، ومدرج في كفن! فنسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الخير دليلك، وأن يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك، وفوالله لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى الأرامل عطوفاً، ولقد كنت في الحي مسوداً، وإلى الخليفة موفداً، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين. قال: فقال الناس: ما سمعنا كلام امرأة أبلغ ولا أصدق معنى منها.

ووقف رجل على قبر النجاشي فترحم وقال: لولا أن القول لا يحيط بما فيك، والوصف يقصر دونك لأطنبت، بل لأسهبت. ثم عقر ناقته على قبره، وقال:

عقرت على قبر النجاشي ناقتيبأبيض عضب أخلصته صياقله
على قبر من لو أنني مت قبلهلهانت عليه عند قبري رواحله

وروى ابن دأب أن حسان بن ثابت الأنصاري اجتاز بقبر ربيعة بن مكدم فأنشد:

لا يبعدن ربيعة بن مكدموسقى الغوادي قبره بذنوب
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»
نفرت قلوصي من حجارة حرةنصبت على طلق اليدين وهوب
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»
لا تنفري يا ناق منه فإنهشريب خمر مسعر لحروب
للشاعر مكرز بن حفص، من قصيدة «لا يَبْعَدَنَّ رَبِيعَة بنُ مُكَدَّمٍ»
لولا السفار وطول قفر مهمهلتركتها تحبو على العرقوب
نعم الفتى أدى نبيشة رحلهيوم الكديد نبيشة بن حبيب
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»

وربيعة بن مكدم - رجل من بني كنانة، وكان قتله أهبان بن غادية الخزاعي، وقيس تقول: قتله نبيشة بن حبيب السلمي، وكان أهبان أخا نبيشة لأمه، وكان أتاه زائراً. وأغار ربيعة بن مكدم على بني سليم، فخرج أهبان مع أخيه، فحمل عليه فقتله، وحمل أخو ربيعة على أهبان فقتله، فلأنه في بني سليم، قال حسان:

نفرت قلوصي من حجارة حرة

لأن الحرة هناك لبني سليم، وفي تصداق ما تدعيه خزاعة يقول أهبان:

ولقد طعنت ربيعة بن مكدميوم الكديد فخر غير موسد
في عارض شرق بنات فؤادهمنه بأحمر كالنقيع المجسد
ولقد وهبت سلاحه وجوادهلأخي نبيشة قبل لوم الحسد

وقال أخو ربيعة يجيبه:

فات ابن غادية المنية بعد مارفعت أسفل ذيله بالمطرد
قل لابن غادية المتاح لقتلناما كان يقتلنا الوحيد المفرد

يريد أن أهبان مفرد من قومه في أخواله.

وقال أيضاً:

فإن تذهب سليم بوتر قوميفأسلم من منازلنا قريب

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.