تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

ممن ظهرت عليهم القسوة عند الموت

ومن ظهرت منه عند الموت قسوة حلحلة الفزاري، وسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن الفزاري، فإن عبد الملك لما أحضرهما ليقيد منهما قال لحلحة: صبراً حلحل! فقال إي والله:

أصبر من ذي ضاغط عركركألقى بواني زوره للمبرك
للشاعر حلحلة بن أشيم الفزاري، اقرأ القصيدة

ثم قال لابن الأسود الكلبي: أجد الضربة، فإني والله ضربت أباك ضربة

أسلحته، فعددت النجوم في سلحته. ثم قال عبد الملك لسعيد بن أبان: صبراً سعيد! فقال: إي والله!.

أصبر من عود بجنبيه الجلبقد أثر البطان فيه والحقب

ومنهم وكيع بن أبي سود، أحد بني غدانة بن يربوع، فإنه لما يئس منه خرج الطبيب من عنده، فقال له محمد ابنه: ما تقول? فقال: لا يصلي الظهر، وكان محمد ناسكاً، فدخل إلى أبيه، فقال له أبوه وكيع: ما قال لك المعلوج? قال: وعد أنك تبرأ، قال: أسألك بحقي عليك! قال: ذكر أنك لا تصلي الظهر، قال: ويلي على ابن الخبيثة! والله لو كانت في شدقي للكتها إلى العصر.

ويروى أن إبراهيم النخعي قال في الحديث الذي ذكرناه: والله لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة. وفي وكيع بن أبي سود يقول الفرزدق:

لقد رزئت بأساً وحزماً وسودداًتميم بن مر يوم مات وكيع
وما كان وقافاً وكيع إذا دنتسحائب موت وبلهن نجيع
إذا التقت الأبطال أبصرت لونهمضيئاً وأعناق الكماة خضوع
فصبراً تميم إنما الموت منهليصير إليه صابر وجزوع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لقد رزئت حزما وحلما ونائلا»

وقال أيضاً:

لتبك وكيعاً خيل ليل مغيرةتساقي المنايا بالردينية السمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوةدعوها وكيعاً والجياد بهم تجري
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ليبك وكيعا خيل حرب مغيرة»

ومن الجفاة عند الموت هدبة نب خشرم العذري، وكان قتل زيادة بن زيد العذري، فلما حمل إلى معاوية، تقدم معه عبد الرحمن أخو زيادة بن زيد، فادعى عليه، فقال له معاوية: ما تقول? قال: أتحب أن يكون الجواب شعراً أم نثراً? قال: بل شعراً فإنه أمتع، فقال هدبة:

فلما رأيت أنما هي ضربةمن السيف أو إغضاء عين على وتر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
عمدت لأمر لا تعير والديخزايته ولا يسب به قبري
رمينا فرامينا فصاد سهمنامنية نفس في كتاب وفي قدر
وأنت أمير المؤمنين فما لناوراءك من معدى ولا عنك من قصر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فإن تك في أموالنا لا نضق بهاذراعاً، وإن صبر فنصبر للصبر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هدبة! قال: هو ذاك، فقال عبد الرحمن: أقدني، فكره ذاك معاوية وضن بهدبة عن القتل - وكان ابن زيادة صغيراً - فقال له معاوية: أوما عليك أن تشفي صدرك وتحرم غيرك! ثم وجه به إلى المدينة فقال: يحبس إلى أن يبلغ ابن زيادة، فبلغ.

وكان والي المدينة سعيد بن العاصي، فمما وقف عليه من قسوته قوله:

ولما دخلت السجن يا أم مالكذكرتك والأطراف في حلق سمر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
وعند سعيد غير أن لم أبح بهذكرتك إن الأمر يذكر بالأمر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فسئل عن هذا القول، فقال: لما رأيت ثغر سعيد - وكان سعيد حسن الثغر جداً - وذكرت به ثغرها.

ويقال إنه عرض على ابن زيادة عشر ديات فأبى إلا القود، وكان ممن عرض الديات عليه ممن ذكر لنا، الحسين بن علي وعبيد الله بن جعفر، ﵉، وسعيد بن العاصي، ومروان بن الحكم، وسائر القوم من قريش والأنصار، فلما خرج به ليقاد بالحرة جعل ينشد الأشعار، فقالت له حبى المدينية: ما رأيت أقسى قلباً منك! أتنشد الأشعار وأنت يمضى بك لتقتل، وهذه خلفك كأنه ظبي عطشان تولول! تعني امرأته، فوقف ووقف الناس معه، فأقبل على حبى فقال:

ما وجدت وجدي بها أم واحدولا وجد حبي بابن أم كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلاكما انتعتت من قوة وشباب

فأغلقت حبى الباب في وجهه وسبته.

وعرض له عبد الرحمن بن حسان، فقال: أنشدني، فقال له: أعلى هذه الحال! قال: نعم، فأنشده:

ولست بمفراح إذا الدهر سرنيولا جازع من صرفه المتقلب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولست بمفراح إذا الدهر سرني»
ولا أتبغى الشر والشر تاركيولكن متى أحمل على الشر أركب
وحربني مولاي حتى غشيتهمتى ما يحربك ابن عمك تحرب
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فلما قدم نظر إلى امرأته، فدخلته غيرة، وقد كان جدع في حربهم، فقال:

فإن يك أنفي بان منه جمالهفما حسبي في الصالحين بأجدعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فلا تنكحي إن فرق الدهر بينناأغم القفا والوجه ليس بأنزعا

فقالت: قفوا عنه ساعة، ثم مضت ورجعت وقد اصطلمت أنفها! فقالت: أهذا فعل من له في الرجال حاجة! فقال: الآن طاب الموت، ثم أقبل على أبويه فقال:

أبلياني اليوم صبراً منكماإن حزناً منكما اليوم لشر
ما أظن الموت إلا هيناًإن بعد الموت دار المستقر

ثم قال:

أذا العرش إني عائذ بك مؤمنمقر بزلاتي إليك فقير
وإني وإن قالوا أمير مسلطوحجاب أبواب لهن صرير
لأعلم أن الأمر أمرك إن تدنفرب وإن تغفر فأنت غفور
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ثم قال لابن زيادة: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني أيتمتك صغيراً، وأرملت أمك شابة.

وبزعم بعض أصحاب الأخبار أنه قال: ما أجزع من الموت، وآية ذلك أني أضرب برجيل اليسرى بعد القتل ثلاثاً؛ وهو باطل موضوع، ولكن سأل فك قيوده، ففكت، فذلك حيث يقول:

فإن تقتلوني في الحديد فإننيقتلت أخاكم مطلقاً لم يقيد

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.